تتخذ المواجهة بين الولايات المتحدة وقوى محور المقاومة طابعًا مركّبًا يتجاوز حدود الاشتباك العسكري المباشر، ليشمل إدارة الوعي، وتوجيه الرأي العام، وبناء القدرة على الصمود. هذا التداخل بين القوة الصلبة والقوة الإدراكية يجعل الصراع في المنطقة أقرب إلى معركة إرادات طويلة الأمد، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع الأدوات الإعلامية والنفسية، وتتشابك فيها الرسائل العسكرية مع محاولات التأثير في بنية الوعي الجمعي.
تستند الولايات المتحدة في إدارتها للتصعيد إلى تفوق عسكري وتقني يسمح لها بالحشد السريع وإظهار القوة في لحظات التوتر. غير أن هذا التفوق لا يُستخدم فقط لتحقيق أهداف ميدانية، بل يُوظَّف أيضًا كأداة ضغط نفسي وسياسي. فالتصريحات المتكررة، والتهديدات، والتسريبات الإعلامية، كلها عناصر تهدف إلى خلق صورة ذهنية لدى الطرف المقابل بأن كلفة المواجهة ستكون باهظة. وفي الوقت نفسه، تعمل واشنطن على إدارة المفاوضات من موقع القوة، بحيث تُطرح الشروط في سياق ضغط متواصل يهدف إلى دفع الخصم نحو التراجع دون الحاجة إلى خوض حرب شاملة.
في المقابل، يدرك محور المقاومة حجم الفجوة في القدرات، لكنه يتعامل معها بمنطق إدارة الفارق لا محاولة إلغائه. فقد عملت هذه القوى على مدى سنوات طويلة على توزيع قدراتها العسكرية بطريقة تجعل استهدافها أكثر صعوبة، مع الاعتماد على التمويه والتحصين وإخفاء الوسائل القتالية في مواقع يصعب الوصول إليها عبر الضربات التقليدية. كما ركزت على تطوير أدوات قادرة على إلحاق الأذى بالقوات أو القواعد الأمريكية، بما يرفع كلفة أي عمل عسكري محتمل ويحدّ من قدرة الطرف الأقوى على خوض حرب مريحة أو بلا خسائر.
هذا التباين في المقاربات يرتبط أيضًا باختلاف طبيعة الخسارة لدى كل طرف. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى، تستطيع التعامل مع التراجع في أي مواجهة باعتباره خسارة سياسية أو عسكرية محدودة يمكن احتواؤها. أما بالنسبة لمحور المقاومة، فإن الهزيمة قد تُفهم على أنها تهديد للوجود والهوية والمستقبل، ما يجعل كلفة التراجع أعلى بكثير من كلفة المواجهة. هذا الفارق يفسّر استعداد بعض الأطراف لتحمّل ضغوط أكبر، مقابل ميل أطراف أخرى إلى تجنّب الانخراط في صراعات طويلة أو مكلفة.
ولا يمكن فهم هذا المشهد من دون التوقف عند الدور المحوري للإعلام. فالإعلام في هذا النوع من الصراعات ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو جزء من منظومة القوة. الولايات المتحدة تمتلك خبرة واسعة في توظيف الإعلام لتشكيل الوعي، سواء عبر تضخيم قوتها، أو عبر تصوير خصومها كأطراف ضعيفة أو معزولة، أو عبر خلق ضغط نفسي داخل بيئة الخصم. كما يُستخدم الإعلام لتسويق الرواية الأمريكية عالميًا، وإضفاء شرعية على سياساتها وتحركاتها.
في المقابل، يعتمد محور المقاومة على إعلام مضاد يسعى إلى تعزيز الصمود ورفع المعنويات وتقديم رواية بديلة للرواية الغربية. هذا الإعلام يُستخدم لحماية الجبهة الداخلية من الانهيار النفسي، ولإظهار القدرة على الردع، وللتأكيد على أن المواجهة ليست مجرد صراع عسكري بل معركة وجود. وفي هذا السياق، يصبح التعامل مع الأصوات الإعلامية التي تتبنى رواية الطرف الآخر مسألة حساسة، إذ قد تؤدي هذه الأصوات إلى إضعاف التماسك الداخلي أو خلق حالة من الشك والإرباك داخل بيئة المقاومة.
في المحصلة، يتضح أن الصراع في المنطقة لا يُختزل في ميزان القوة العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى معركة وعي تُدار بقدر كبير من الدقة والحسابات. الولايات المتحدة تراهن على الضغط النفسي والإعلامي لفرض شروطها، بينما يراهن محور المقاومة على الصمود ورفع كلفة المواجهة. وبين هذين النهجين، تتشكل معادلة معقدة تجعل من كل خطوة سياسية أو عسكرية جزءًا من صراع أوسع على الإرادة والوعي والقدرة على التحمل.
د سائد عساف
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
