ليست هذه الجملة مجرد استعارة أدبية، بل إعادة صياغة لصرخة غسان كنفاني في “عائد إلى حيفا”. بين صفية و كوثر بن هنية نصف قرن من الدم، لكن الامتحان الأخلاقي لم يتغير: الوطن هو ألا يصبح قتل الأطفال حدثًا قابلاً للتفاوض.
في برلين، لم يكن الحدث سينمائيًا فحسب، بل أخلاقيًا بامتياز. خلال حفل “Cinema for Peace”، أُعلن فوز فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية بجائزة “أكثر فيلم قيمة”. الفيلم يوثق مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي حوصرت في سيارة بين جثث عائلتها قبل أن تُقتل برصاص الاحتلال.
لكن المفارقة الصادمة لم تكن في الجائزة، بل في السياق: في الليلة نفسها، وعلى المنصة ذاتها، تم تكريم جنرال إسرائيلي سابق بدعوى “بطولته” يوم 7 أكتوبر. هنا ظهر ما يمكن تسميته بـ”التوازن الزائف”: وضع الضحية والجلاد في مشهد واحد، تحت عنوان السلام.
كوثر بن هنية لم تقبل أن تكون جزءًا من هذا الإخراج الأخلاقي الملتبس.
عندما صعدت إلى المنصة، لم تبدأ بعبارات الامتنان المعتادة، بل قالت:
“أشعر بالمسؤولية أكثر مما أشعر بالامتنان.”
بهذه الجملة، نقلت الحفل من مساحة الاحتفاء إلى مساحة المساءلة. ثم أكدت أن فيلمها لا يتعلق بطفلة واحدة، بل بنظام جعل قتلها ممكنًا. وذهبت أبعد حين قالت إن هناك من يمنح غطاءً سياسيًا لإعادة تأطير الإبادة بوصفها “دفاعًا عن النفس”.
ذروة الموقف لم تكن في الخطاب، بل في الفعل: تركت الجائزة على المنصة وغادرت.
هذا القرار لم يكن استعراضًا رمزيًا، بل موقفًا سياسيًا واضحًا: السينما ليست غسيلاً للصور، والسلام ليس عطراً يُرش فوق العنف. رفض الجائزة كان رفضًا للمشاركة في مشهد مساواة أخلاقية بين الضحية وممثل المؤسسة العسكرية التي تقتلها.
كوثر بن هنية، القادمة من سيدي بوزيد، لم تصل إلى برلين لتبحث عن اعتراف أوروبي. مسيرتها – من “شلاط تونس” إلى “على كف عفريت” و”بنات ألفة” – كانت دائمًا اشتباكًا مع الحقيقة. لكنها في هذه اللحظة تجاوزت حدود الفيلم إلى حدود الفعل السياسي الثقافي.
المسألة هنا لا تتعلق بجائزة، بل بفلسفة المقاطعة الثقافية. فالمؤسسات الغربية تميل إلى إدارة الصراعات عبر “الإنسانية الشمولية” التي تساوي بين الجميع، وتُفرغ الفعل من سياقه. المقاطعة في هذا المعنى ليست عزلة، بل فرزًا أخلاقيًا: لا يمكن للقاتل أن يكون زميلاً في مشهد تكريم الضحية.
ما فعلته كوثر هو ما يمكن تسميته “المقاطعة النشيطة”: حضرت، عرضت الحقيقة، ثم رفضت الثمن المشروط. لم تنسحب من الساحة، بل استخدمتها لكشف تناقضها.
في تلك الليلة، سقطت ورقة التوت عن خطاب “السلام المتوازن”. لأن التوازن الحقيقي لا يقوم بين قوة احتلال وطفلة محاصرة. وحين تُختزل المأساة إلى صورة إنسانية مجردة من سياقها السياسي، يصبح الفن أداة تبييض.
رفض الجائزة كان لحظة استعادة للمعنى: الوطن هو الموقف. الوطن هو ألا تتحول دماء الأطفال إلى ديكور في احتفالات براقة. الوطن هو أن تقول “لا” في المكان الذي يُفترض أن تقول فيه “شكراً”.
كوثر بن هنية خسرت درعًا معدنياً، لكنها ربحت موقعًا أخلاقيًا. في زمن الدبلوماسية الناعمة، يصبح الرفض فعل سيادة. وفي زمن اختلاط السرديات، يصبح الوضوح شجاعة.
لذلك، فإن السؤال الذي طرحه كنفاني قبل نصف قرن يعود اليوم بصيغة جديدة: اتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله”
فتجيبه كوثر هنية: الوطن أيضا، هو الا يذبح الاطفال على اسواق الجوائز.