هلّا هلال رمضان… وكما جرت العادة، تتسابق القنوات التلفزيونية العربية على عرض المسلسلات. وقبل أن أطرح سؤالي العريض، لا بدّ من الوقوف عند أسلوبٍ اعتادت الشعوب العربية على تلقيه، واعتادت القنوات العربية على صناعته، حتى ازداد زخم هذه الصناعة عامًا بعد عام؛ صناعةٌ شوّهت المفهوم الرمضاني. فبدل البرامج الروحانية أو تلك التي تعالج القضايا الإنسانية، انتقلنا إلى سباقٍ دراميّ محموم، وكأنّ رمضان لم يعد شهر صوم وعبادة وتقرّب إلى الله.
تمارس كلّ الديانات طقوسها وعباداتها بطبيعةٍ هادئة ومتّزنة، لكن للدين الإسلامي حصة الأسد في المشهد الإعلامي، حتى بات رمضان عالميًا مهرجانًا دراميًا يتنافس الجميع على الفوز بنهايته، والحصول على لقب «الأكثر مشاهدة»، أو إعلان أنّ هذا المسلسل قد حطّم الأرقام القياسية. لم نعد نرى برامج تتحدث عن أهمية الصوم، وحتى إن لم ترغب القنوات في الخوض في الجانب الروحاني البحت، كان يمكنها على الأقل أن تشرح فوائده النفسية والعلمية والطبية، أو أن تتناول تعاليم رمضان وأهميته التاريخية، وكيف فُرض الصيام وما الغاية منه.
بدل العبادة أصبح الأمر عادة، لكنها عادة مشوّهة، كأنها بئر جاف، قلّة فقط من تدرك جوهر الصيام وتحافظ على سلوكياته. فها هي الأمة العربية صائمة… كما صامت عن ألم غزة ولبنان واليمن. فما فائدة الصيام، بالله عليكم، إن صام الجميع عن النطق بالحق؟
بالعودة إلى الماراثون الدرامي، فإن أيّ عاقل يراقب أداء القنوات العربية خلال رمضان يلاحظ أمرين مهمين:
أولًا: البذخ في موائد الإفطار.
اقتراحات لا تنتهي لربّات البيوت عن أصناف الطعام، وكأننا في منطقة لا تعاني الجوع، وكأننا فُطمنا على السلمون والأطباق الغربية، دون مراعاة لشعور جائعٍ يقتحم بيته يوميًا عبر الشاشات الكبيرة والصغيرة. ماذا عن أطفال غزة؟ ماذا عن أطفال اليمن والسودان؟ المنطقة العربية جسدٌ مصاب في أغلب أعضائه بجروح بليغة لم يهدأ نزفها منذ أعوام.
ثانيًا: نوعية الدراما المقدّمة.
أغلبها لا يشبهنا. حتى مسلسلات البيئة الشامية باتت مبالغًا فيها، وسواها مستورد من الدراما التركية. راقبتُ لسنوات، وفي كل مرة أرى المستوى ينحدر؛ مجتمعات غريبة لا تمتّ إلى عاداتنا الشرقية ولا إلى ثقافة مناطقنا بصلة. مسلسلات تتحدث عن الخيانة، وأخرى عن القتل والدموية طمعًا في المال، وثالثة تُظهر تفاهة المجتمع وانغماسه المقرف في الماديات.
لا أنفي وجود هذه الحالات، لكنها ليست بهذه الكثافة في مجتمعاتنا. إن تهيئة المشاهد لتقبّل هذا النمط من السلوك عبر التكرار المتعمّد ليس أمرًا بسيطًا؛ إنه حفرٌ بطيء في وعي أجيالٍ صاعدة، وغرس لعادات لا تشبه الأجداد، بما يؤثر تدريجيًا في منظومة القيم والأخلاق.
لماذا نستورِد أفكارًا بينما منطقتنا تعجّ بالقصص التي تستحق أن تُروى؟
هند رجب، الطفلة التي قُتلت في سيارة برصاص العدو الإسرائيلي… أليست هذه قصة تصلح لعمل درامي صادق؟ لماذا انتبه الغرب إليها وتجاهلها العرب؟ ويوسف، الطفل ذو الشعر الكيرلي، وأمل الطفلة التي «لن تموت لأن الأمل لا يُغتال»، وتلك الجميلة في جنوب لبنان، والملاك الصغير الذي حلّق بجناحيه مؤخرًا، وذلك البطل الأنيق في غزة الذي فجّر دبابةً ومضى.
وأسماء كبيرة مثل السيد الشهيد حسن نصر الله، والشهيد يحيى السنوار، وقصص عائلات مُسحت من السجلات، وعائلات جُوّعت وشُرّدت لكنها تمسّكت بأرضها. هذا غيض من فيض مما يمكن أن يُضاء عليه بأعمال درامية صادقة. هذا عدا عن الأسرى ومعاناتهم، ومعاناة عائلاتهم، والجرحى، وأطفالٍ كبروا قبل أوانهم، حُرموا مدارسهم واضطروا إلى لعب دور ربّ الأسرة.
إن أردنا بطولةً، فهي موجودة في الواقع. وإن أردنا طفولة مسلوبة، فهي أمام أعيننا. وإن أردنا قصص نجاح خرجت من رحم الألم، فهي حاضرة. فلماذا يتم تغييب كل هذا والتركيز على ما لا يشبهنا؟
لماذا لا تُناقش مأساة فتيات تعرّضن للاغتصاب ثم رفضهن المجتمع العربي متضخمًا بشرفٍ كالبالون، متناسيًا أرضًا مغتصبة وتاريخًا يُشوَّه يوميًا؟ لماذا تُسمّى أصوات القهر «نكدًا» وتُسمّى نغمات التفاهة «ترفيهًا»؟
لا أعلم سبب إضاءتي على هذه القضايا، لكنني على يقين بأنها ليست مسائل بسيطة، بل تندرج ضمن حربٍ ناعمة أُعدّ لها منذ قرن وأكثر، تستهدف الوعي وتطبيع أصوات النشاز.
أين الدراما من «التغريبة الفلسطينية»؟
أين هي من «قيامة البنادق»؟
وأين «الغالبون» وغيرها من الأعمال التي لامست وجدان الناس؟
لماذا لا يُنتج عمل عن جورج عبد الله مثلًا؟ أو عن بابا مقدسي مرابط يقرع جرس الكنيسة كل يوم؟ أو عن شيخٍ من تحت الردم كان صوته مئذنةً تردّد «الله أكبر» رغم الألم؟
يتم تشويه ذاكرتنا بشكل فظيع، والمنتبهون لخطورة الأمر قلّة. السبيل إلى الصحوة يبدأ بالوعي. يمكننا أن نتحدث عن قضايانا عبر الرسوم المتحركة والدراما والسينما؛ فهذه الأعمال قادرة على تغيير المجتمعات، وهي سلاح عظيم إن أُحسن توظيفه.
«لسنا بحاجة إلى مزيدٍ من الترفيه الذي يُنسي، بل إلى فنٍّ يُذكّر، يُوقظ، ويشبهنا… فنٍّ لا يضع الأقنعة على وجوهنا بل يعيد إلينا ملامحنا الحقيقية.»
سلامٌ على كل من قاوم بريشةٍ وقلم، بكاميرا ومشهد، بأغنيةٍ ولوحةٍ راقصة. نحن بحاجة إلى فنٍّ حقيقي يشبهنا، لا إلى فنٍّ مقنّع يزيد من غفلتنا.
إن الأزمة التي نعانيها اليوم ليست أزمة إنتاج فني فحسب، بل أزمة وعي وهوية.
فحين يفقد الفن صلته بقضايا الناس، ويتحوّل إلى أداة تسليةٍ معزولة عن الألم والكرامة، يصبح شريكًا في تغييب الذاكرة لا في حفظها. والسؤال لم يعد: ماذا نعرض في رمضان؟ بل: أيّ وعي نصنع، وأيّ جيل نُهيّئ، وأيّ ذاكرة نترك …!!؟
فاتنة علي_لبنان
