هل تسببت عودة الحريري بتأجيل الإنتخابات؟

ناصر قنديل

– عودة الرئيس سعد الحريري غير منسقة مع أي جهة إقليمية بقدر ما هي إعلان نزوح إقليمي بعد انفجار العلاقة بين السعودية التي لا يريد الحريري تصادماً معها ويحرص على الحفاظ على تقديمها كمرجعية جامعة للمنتمين لطائفته عدا مكانتها العربية والدولية، والإمارات التي استضافته وقدّمت له المساندة، وبعدما صارت شعبيته ورئاسة الحكومة اللبنانية المتاحة في حال العودة، ضماناً وملاذاً أهم بكثير من انتظار تفاهمات إقليمية تبدو بعيدة المنال مع التشظي السياسي الإقليمي، بين السعودية والإمارات في ملفات الجنوب العربي، وبين تركيا و”إسرائيل” في ملفات الشمال العربي، ومنه سورية التي عارض الحريري نظامها السابق واحتفل بسقوطه مؤيداً النظام الجديد، لكن ليس إلى حد تفويضه زعامة الطائفة في لبنان.

– عودة الحريري أظهرت من جهة أن زعيم طائفته بلا منازع، وأن الانتخابات النيابية إذا تمّت في موعدها سوف تمنح تياره من المقاعد، ما يكفي لتقديمه مرشحاً وحيداً لرئاسة الحكومة، وسط خريطة نيابية يسهل تشكل غالبية كافية من بين صفوفها لتسميته لرئاسة الحكومة من دون جهد يذكر، حيث يحتفظ الحريري برصيد لدى كتل وازنة لا يحتاج صناع القرار فيها إلى المقارنة بينه وبين رئيس الحكومة الحالية نواف سلام، كي يعودون إلى تسميته باعتباره وهو يتبنّى خطابه الخاص الذي لا يلتقي مع خطاب كل من هؤلاء، يبقى مشروع ربط نزاع في القضايا التي تتسبّب بتفكيك البلد، ومشروع توافق وطني مستعدّ دائماً للبحث عن تسويات لا تضرب هذا التوافق ومستعدّ لتحمل مسؤوليتها إلى حد العزل والمنع.

– قدّم خطاب الحريري صيغة جديدة لمقاربة اتفاق الطائف، جوهرها الدعوة للتوقف عن الانتقائية في التعامل مع التوجهات المحورية التي قام عليها، والتمسك بها بالقدر ذاته، ووضعها على الطاولة معاً، ووضع جداول زمنية لتنفيذها معاً، حيث السلاح الواحد مثل اتفاق الهدنة بحذافيره، وهما مثل إلغاء الطائفية السياسية، وقانون انتخاب المجلسين، ومثل اللامركزية الإدارية، وهذه الأهداف التي تبنى بعضها وتجاهل بعضها الذين تناوبوا على إدارة تطبيق الطائف من موقع الحكم، ثبت أنها غير صالحة للتطبيق إلا مجتمعة، حيث يحفظ التوازن الوطني عبر جمعها، وتحفظ المصلحة الوطنية عبر هذا الجمع، ويحقق الجدول الزمني الشامل لتطبيقها وطنية جامعة لا غالب فيها ولا مغلوب من جهة، ودولة لا تبيع سيادتها للاحتلال تحت شعار أولوية تطبيقها على حساب الأطراف الداخلية، ولا تتنازل من وجهة نظر الحريري عن السيادة لطرف داخلي تحت شعار مواجهة الاحتلال. وخطاب الحريري بمعزل عن واقعيته في ظل وضع دولي وإقليمي متغير، ووضع داخلي هش، تحفظ طابع التوافق الوطني للحريرية، التي لا تكسر التوازن، وتقول عملياً هذا هو الطائف، إما يؤخذ معاً بالتوافق، أو يؤجل معاً حتى يتحقق التوافق.

– عملياً عودة الحريري تعني خلق توازن سياسي داخلي لا يتناسب مع مشروع حرب أهلية يعمل له أطراف في الخارج والداخل، يستهدف وضع الدولة بوجه المقاومة، ورفع منسوب التوتر الطائفي تحت عنوان أولوية نزع السلاح، ويستخدم الفتنة بين السنة والشيعة بعد توظيف المسألة السورية لتصعيد الفتنة نفسها، وتفترض تفويض قيادة سنة لبنان لقيادة سورية الجديدة، فيأتي الحريري من موقع حليف لهذه القيادة الجديدة يمسك بدفة قيادة طائفته ويجعلها حليفاً لا تابعاً، لكنه حليف لا يريد الفتنة، فتصيب عودته كل عصافير الخراب المخطط للبنان بحجر العودة، ويصبح صعباً على هذه العصافير البقاء خارج القفص إذا تمت الانتخابات النيابية وحملت الحريري مرشحاً شبه وحيد عملياً لرئاسة الحكومة.

– الحل لإبقاء عصافير الخرب طليقة هو تأجيل الانتخابات، والتمديد للمجلس النيابي يحمل تمديداً للحكومة ورئيسها، فتبقى العصافير النيابية المروّجة للخراب في مقاعدها التي سوف يُطيّرها الحريري، ويبقى رئيس الحكومة الذي سوف يُطيّره الحريري، ويبقى خطاب السلاح لا اتفاقية الهدنة عالي الصوت، وتغيب دعوات تطبيق اتفاق الطائف كمشروع مترابط يربك الأطراف المنخرطة في خطة الخراب، وبوابة التأجيل وصفة جاهزة وفق الخبرة، استشارة لهيئة الاستشارات في وزارة العدل، التي سبق وتمّ التحقق من كونها فاخوري يضع أذن الجرة حيث يريد صاحبها، عندما قالت إن العقد مع شركة ستارلينك لا يخضع لقانون الشراء العام، ومَن يجرؤ غيرها على قول ذلك، ثم قالت إن اتفاقية دولية بحجم ترسيم الحدود مع قبرص لا تحتاج إلى تصديق في المجلس النيابي، ومَن سواها يجرؤ على قول ذلك، وها هي تقول إن تعذر إجراء الانتخابات في دائرة الاغتراب يستدعي فتح الباب لينتخب المنتشرون في كل دوائر الانتخاب، ومن غير مستشار بالباذنجان يجرؤ على فعل ذلك، خصوصاً أن الهدف هنا ليس ما تنص عليه الاستشارة بل تفخيخ الانتخابات والدفع باتجاه تأجيلها، والهدف واضح، بقاء المجلس النيابي والحكومة للمدة التي يتوهم عصافير مشروع خراب لبنان أنّها كافية لمشروعهم،سنة؟ سنتان؟ ربما!

– يبقى أن نعلم كيف سوف يواجه المتمسكون بإجراء الانتخابات في موعدها هذا الإبداع أو هذه البدع؟