حين تتكاثر الحدود داخلنا قبل أن تُرسم على الخرائط
عن أمة العرب والإسلام والمشرق أحدثكم…
بقلم:فاتنة علي لبنان
أحدثكم يا أنقياء القلب وصادقي النية، فالكلمة الصادقة لا تبحث إلا عمّن يشبهها. أما من غرق في مستنقع النفاق، فليس معنيًا بهذا الحديث؛ فالكفر بيّن واضح، أما النفاق فخداعه أشد خطرًا وأعمق أثرًا.
منذ صغري، كنت أطرح أسئلة بدت غريبة على فتاة في عمري. أسئلة لا يطّلع عليها غالبًا سوى أبي. كنت قوية داخل عائلتي، خجولة خارجها، لكن فضولي كان أقوى من خجلي. قبل عامين تقريبًا، بدأت أجد إجابات على تلك الأسئلة الطفولية… بل ربما وجدت كلها.
كنت أسأل:
لماذا ما زالت فلسطين محتلة؟
لماذا كانوا يحذروننا من الحديث في السياسة، رغم أننا لم نكن نعلم أن أسئلتنا تنتمي إليها؟
لماذا كل هذا القتل والحروب في منطقتنا دون سواها؟
ولماذا بكينا، نحن ومن هم في عمرنا، على محمد الدرة، ذاك الطفل الذي لا يزال يرفض مغادرة ذاكرتنا؟
لم ننشأ في بلدان مرفهة، ولم نملك رفاهية التجاهل. كثيرون من أصدقائي اختاروا النسيان، وبعضهم اتهمني بالنكد، وكأنني أشتري وجع القلب بيدي. لكنني لم أتعلم يومًا فنّ تجاهل الألم الإنساني… ولن أفعل.
ومع مرور الوقت، بدأت تتشكل الإجابة في داخلي: التشرذم.
نعم، هو التشرذم.
أمة خضعت لعدوها، وحقدت على أبناء جلدتها. أمة تملك حضارة وثقافة وتاريخًا مشتركًا، وحدودًا لم يرسمها رب السماء، بل شياطين الأرض. أمة المشرق العربي لم تكتفِ بالقبول، بل تأقلمت مع انقسامها. صارت الدول دويلات، وصارت الأولويات اقتتالًا طائفيًا ومذهبيًا، ثم أُضيفت المناطقية إلى قائمة النزاعات.
بدل أن تتجه السهام نحو العدو، صُوّبت نحو الداخل.
فسُحقت العروبة، وشُوّه الدين، وخضعت الجغرافيا، وسُبيت الكرامة.
وكان الاحتلال الأخطر… احتلال العقول.
صار العاقل يُتَّهم بالجنون، والشريف بالمغامرة، والمتمسك بدينه بالتعصب، والرافض للشذوذ رجعيًا. انقلبت المعايير حتى بتنا نشك في بداهاتنا.
لا أعلم إن كان ثمة سبيل لوحدة أمة نخر العفن عظامها، وتربّع على عروشها طغاة ضعفاء منحلّون أخلاقيًا. لكنني أعلم يقينًا أن الثابتين وحدهم يصنعون التغيير، وأن المخاض المؤلم قد يسبق ولادة جديدة.
التاريخ لا يكذب.
من صبر انتصر، ومن ثبت امتدّ جذره عميقًا.
والعاصفة مهما اشتدّت، لا تقتلع ما تشبّث بالأرض عن إيمان.
من قال إن الظواهر تدوم؟
كلها حالات مؤقتة، تزول مع الزمن.
أما المجد والخلود، فلأصحاب الأثر.
سلامًا واحترامًا لكل من قال “لا” في وجه الباطل، مهما علا شأنه أو صغر في عيون مجتمع خلع عنه ثوب الروح، وتغنّى بالمادية حتى عبدها، وهو يظن نفسه حرًا.
لقد ميّزنا الله بالعقل… هذا العضو المقدس الذي إذا اتحد مع صفاء القلب، صنع المعجزات. وقد رأينا في السنوات الأخيرة نماذج لذلك: استمرارية المقاومة، تماسك الجنوب اللبناني، صمود اليمن، تحولات في الشارع الغربي، وأما غزة… فكانت الأسطورة.
قد يبدو المشهد قاتمًا، لكن جذوة الحق لا تنطفئ، وإن خفت ضوؤها أحيانًا. فالأمم لا تموت ما دام في أبنائها من يرفض الانحناء.
“قد يطول الليل، لكن الفجر وعدٌ لا يخلفه الله.”
