الجسد الذي لم يُترك ليرتاح
فؤاد بكر
حقوقي فلسطيني
ليست الإبادة الجماعية في غزة مجرد أرقاٍم تُعرض في نشرات األخبار، وال خرائط دمار تُحَّدث
يوميًا. إنها حر ٌب مباشرة على الجسد الفلسطيني نفسه. جسٌد يُقتل، ثم يُحتجز، ثم يُنهب، ثم يُعاد –
ُ إن عيد
أ – ناق ًصا، صامتًا، بال شهادة، بال تفسير.
منذ عقود، يطرق الفلسطينيون أبواب العدالة بسؤا ٍل واحد: أين جثامين أبنائنا؟ و لكن بعد غزة
2023 –2025 ،تغيّر السؤال جذريًا: لماذا تُعاد جثامينهم بال أعضاء؟
حين تتكلم األرقام… وتفضح الجريمة
في عام 2025ُ ،س ّجل في إسرائيل تصاعد الفت في عمليات زراعة األعضاء: نحو 622عملية
زراعة أعضاء صلبة، 313 عملية زراعة ُكلى، 35 عملية زراعة قلب ، 47 عملية زراعة رئة،
759 عملية زراعة قرنيات ، لتكون زراعة القرنية من أكثر عمليات الزرع تنفي ًذا خالل العام، وفي
الخلفية، يقف بنك الجلد اإلسرائيلي كأحد أخطر الملفات المسكوت عنها: مخزون يُقَّدر بأكثر من
إلى أن جز ًء 170–160مت ًرا مربعًا من الجلد البشري، وتشير تقارير حقوقية ا من هذا المخزون
مصدره جثامين فلسطينيين وعمال أفارقة، حيث يُستخدم الجلد المخ َّزن في عالج اإلسرائيليين، بمن
ا مع معدالت التبرع المنخفضة داخل
فيهم الجنود وجنود االحتياط، بالفعل أرقام ال تتناسب إطالقً
المجتمع اإلسرائيلي، خاصة في ظل القيود الدينية المعروفة على التبرع باألعضاء. السؤال ليس
أخالقيًا فقط… بل إحصائيًا وقانونيًا: من أين جاء هذا الفائض؟
مقابر األرقام: حين تُدفن الحقيقة مع الجسد
ما يُس ّمى بـ ”مقابر األرقام “ليس قبو ًرا بال أسماء فحسب، بل نظا ًما متكامًال لطمس الهوية، وإخفاء
األدلة، وتعليق الجريمة خارج الزمن والمحاسبة، جثامين محتجزة لسنوات : بال تشريح مستقل، بال
تقارير طبية، بال حق للعائلة في الوداع، وبال حق في السؤال
في أي قانون في العالم يُسمح لقوة احتالل أن: تحتجز جثامين القتلى؟، ترفض تسليمها إال بشروط
سياسية وأمنية؟، تمنع تشريحها من جهات مستقلة؟، وتُعيدها بعد أشهر أو سنوات في حالة تحلل
تمنع التحقق الجنائي؟ الجواب واحد : في قانون الغابة فقط.
غزة: القبور تُنبش… والجثث تُفَّرغ
ُ في غزة، لم يعد الموت نهاية، قُصفت المقابر، ثم نُبشت القبور، وبعدها اختفت الجثامين، عيد
وأ
ُ بعضها بعد أن فُتحت صدورها، زيلت ُكالها
أ ، غابت قرنياتها، ُسلخت أجزاء من جلدها وهذه ليست
ا: بال
روايات عاطفية وال ”شائعات حرب .“ إنها شهادات أطباء، ومسعفين، وأها ٍل واجهوا جثثً
بآثار فتح جراحي من ، دون أي تفسير طبي، ودون وثيقة رسمية مرافقة، فمن ّظ أعضاء داخلية، م
ا في االتجار غير األخالقي باألعضاء؟
يملك الجثث؟ ومن يملك المختبرات؟ ومن يملك تاريخًا موثقاً
