ليست الرأسمالية مجرد نظام اقتصادي محايد لتنظيم الإنتاج وتبادل السلع، بل هي بنية تاريخية مشروطة، تقوم على علاقات قوة غير متكافئة، وتعيد إنتاج ذاتها عبر أشكال متحوّلة من السيطرة. ففي لحظتها الراهنة، لم تعد الرأسمالية تكتفي باستغلال العمل داخل الحدود القومية، بل تجاوزت ذلك لتغدو منظومة عالمية لإخضاع المجتمعات، تُلبِس عنفها البنيوي أقنعة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. ومن هنا، يصبح التفكير في الرأسمالية تفكيرًا في آليات الهيمنة، لا في شعاراتها، وفي واقعها المادي، لا في خطابها الإيديولوجي.

قامت الرأسمالية في طورها الأول على أسطورة المنافسة الحرة، حيث بدا وكأن السوق فضاء مفتوح لتكافؤ الفرص، وحيث ظهر المنتج الصغير بوصفه وحدة مستقلة قادرة على البقاء. غير أن هذا الطور لم يكن إلا لحظة عابرة في تاريخ النظام، سرعان ما تلاشت تحت ضغط التراكم الرأسمالي نفسه. فالتراكم، بوصفه قانونًا داخليًا، لا ينتج التعدد، بل يميل بالضرورة إلى التركّز والاحتكار. وهكذا، تتحول الملكية الخاصة من ملكية منتِجة إلى ملكية احتكارية، ويتحوّل السوق من مجال للتنافس إلى ساحة للهيمنة.
في هذا التحوّل، تفقد الديمقراطية مضمونها الاجتماعي، وتغدو شكلًا سياسيًا فارغًا، منفصلًا عن شروطه المادية. فحين تتركّز وسائل الإنتاج والثروة في يد قلة، يصبح القرار السياسي خاضعًا، بالضرورة، لمصالح هذه القلة. وهنا لا تعود الديمقراطية تعبيرًا عن سيادة الشعب، بل آلية لإدارة الصراع داخل الطبقات السائدة، وضبط التناقضات دون المساس بجوهر النظام. إن الحرية التي تُعلن ليست حرية الفعل الاجتماعي، بل حرية رأس المال في الحركة والتوسع.
ومع بلوغ الرأسمالية طورها الإمبريالي، تتجاوز علاقات الاستغلال المجال القومي لتتخذ طابعًا عالميًا. فالدول المتقدمة لا تهيمن فقط بقوتها العسكرية، بل عبر شبكات مالية، ومؤسسات اقتصادية، وأنظمة تبعية تعيد إنتاج التخلف بوصفه شرطًا لازدهار المركز. التخلف هنا ليس غيابًا للتطور، بل شكلًا مخصوصًا من أشكال إدماج الأطراف في النظام العالمي، إدماجًا قسريًا يجعلها مستهلكة لما لا تنتج، ومنتجة لما لا تملك.
وتغدو الحرب، في هذا السياق، ليست استثناءً، بل ضرورة بنيوية. إنها وسيلة لإعادة توزيع النفوذ، ولحل أزمات التراكم، ولتدمير فائض القوة الإنتاجية حين يعجز النظام عن احتوائه. لذلك، لا تُخاض الحروب باسم الغنيمة فقط، بل باسم القيم ذاتها التي تنتهكها: الديمقراطية، الأمن، الاستقرار. وهكذا، يُعاد إنتاج العنف بوصفه عقلانية سياسية، وتُقدَّم الهيمنة بوصفها قدرًا تاريخيًا.

إن الرأسمالية، في طورها المعاصر، تكشف عن حقيقتها كنظام يقوم على نفي الإنسان باسم السوق، ونفي الشعوب باسم التقدم. وكل قراءة لا تنطلق من تحليل بنيتها المادية، ستبقى أسيرة أوهام الخطاب. فالتحرر لا يتحقق بإصلاح القشرة السياسية للنظام، بل بتفكيك أسسه الاقتصادية والاجتماعية، وبتجاوز علاقات الإنتاج التي تجعل من الاستغلال قانونًا، ومن الحرب أفقًا، ومن الهيمنة منطقًا دائمًا للتاريخ.
حسن أبو الحاج