عندما يولد الإبداع من تحت الركام: لماذا نحارب عقولنا بدل أن نرفعها؟
فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى
«الأمم لا تنهض بكثرة ما تملك، بل بقيمة ما تؤمن به من عقولها.»
في كل مرة يظهر فيها إنجاز عربي حقيقي، لا سيما إذا خرج من قلب المعاناة، يُفترض أن يكون الاحتفاء هو ردّ الفعل الطبيعي. لكن ما يحدث غالبًا هو العكس تمامًا: سيل من التشكيك، التقليل، والبحث المحموم عن الثغرات، وكأننا نخشى الاعتراف بأن بيننا من يستطيع أن ينجز، وأن يبدع، وأن يكسر نمط التبعية الطويل.
عصام حجازي، شاب غزّاوي، ليس قصة تقنية فحسب، بل قصة إنسانية وفكرية عميقة. أسّس تطبيقًا جديدًا يحمل اسم «أبسكرولد»، منصة رقمية تشبه إلى حدّ كبير منصة «إكس» (تويتر سابقًا) المملوكة لإيلون ماسك. وبدل أن يُقابل هذا الجهد بالتشجيع والدعم، كان كثيرون على أهبة الاستعداد للتشكيك بقدراته، وكأن الإنجاز لا يُحسب إلا إذا خرج من الغرب، أو وُقّع باسم أجنبي.
هذا الشاب فقد نحو ستين شخصًا من عائلته خلال الحرب الأخيرة على غزة. ستّون اسمًا، ستّون حكاية، ستّون جرحًا مفتوحًا. ومع ذلك، لم يتحوّل الألم إلى شلل، بل إلى دافع. الألم عند عصام لم يكن نهاية، بل شرارة. ومن رحم الفقد، خرج مشروع، ومن تحت الركام وُلدت فكرة تقول: نحن هنا، وما زلنا قادرين.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: لماذا لا ندعم عقولنا؟
لماذا نُصفّق للإنجاز إذا جاء من الخارج، ونرفع حاجب الشك إذا خرج من بيننا؟
لماذا ترسّخت في وعينا ثقافة جلد الذات، مقرونة بتعظيم الغرب، حتى وإن اعترفنا — بإنصاف — أن الغرب يمتلك قدرات متقدمة وتجارب رائدة؟
هذا السؤال ليس إنكاريًا، بل منطقي. فكل هذا الصراع المحتدم على منطقتنا العربية، ألا يثبت — بشكل أو بآخر — أن هذه البقعة لم تكن يومًا هامشًا؟
أليست هذه الأرض هي منارة الحضارة الأولى؟
أليس منها خرج الدين، والفكر، والتاريخ، والثقافة، وأشكال مبكرة من التنظيم والمعرفة التي أنارت العالم، ووصل ضوؤها إلى أوروبا نفسها؟
وحين تكون البداية من هنا، يصبح الصراع على النهاية مفهومًا. فمحاولات التحكم، وإعادة التكوين، وفرض السرديات، ليست عبثًا. التاريخ لا يُمحى بسهولة، لكنه يُحاصَر. وما نشهده اليوم من اقتتال وصراعات، ليس منفصلًا عن هذه الحقيقة: من يملك الجذور، يملك إمكانية النهوض من جديد، مهما اشتد الظلام.
نعود إلى عصام حجازي.
لا يهمّني — ولا يجب أن يهمّنا — انتماؤه السياسي. ما يهم هو أن ما أنجزه إنجاز لشاب غزّاوي، لإنسان عربي، استطاع في ظروف تُعطّل أقوى الدول أن يبني منصة رقمية، وأن يخوض مجالًا تهيمن عليه شركات غربية عملاقة. أعداء النجاح كُثُر، وهذه قاعدة لا استثناء لها، لكن الأخطر أن نكون نحن أوّلهم.
لماذا لا يكون لنا تطبيقاتنا الخاصة؟
لماذا لا نخرج — ولو خطوة — من دائرة السيطرة الرقمية الغربية؟
ولِمَ لا تكون هذه المحاولات نقاط بداية، لا مشاريع نُجهضها في مهدها بحجج الكمال والاستحالة؟
لقد قلناها مرارًا، وسنكررها: نحن في معركة فكر وعقول.
وفي هذا السياق، لا تبدو المقولة: «ويلٌ لأمةٍ تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع» مجرد حكمة عابرة. هي ليست شعارًا استهلاكيًا، بل ركيزة من ركائز التحرر. الاكتفاء لا يعني الانعزال، بل امتلاك الحد الأدنى من السيادة. فالذي يملك أدواته، يملك قراره، ومن يعتمد على غيره في كل شيء، يبقى أسيرًا مهما امتلك من موارد.
للأسف، تحوّلنا — في كثير من مجتمعاتنا — إلى شعوب استهلاكية بامتياز:
نستهلك السلعة، والمعلومة، والرواية، وحتى الأسئلة.
لم نعد نُجيد طرح السؤال، بل ننتظر الإجابة الجاهزة.
إلى متى؟ سؤال بسيط، لكنه ثقيل.
نعم، هناك استثناءات. وما رحم ربك كثير. لكن هؤلاء باتوا كـ«النُبَر» في الرأس: قلة، واضحة، ومؤلمة لمن لا يريد التفكير. وفي زمن كثرة الجهل، يصبح المتفكّر نجمًا ساطعًا، ملفتًا، ومزعجًا في آن واحد.
قصة عصام حجازي ليست قصة تطبيق فقط، بل مرآة لنا جميعًا. مرآة تسألنا: هل نريد أن نكون شركاء في صناعة المستقبل، أم مجرد متلقّين له؟ هل نملك الشجاعة لندعم محاولاتنا، حتى وهي غير مكتملة، أم سنبقى ننتظر المنتج المثالي القادم من الخارج؟
«النهضة لا تبدأ حين ننتصر على غيرنا، بل حين نتوقف عن محاربة أنفسنا.»
الكرة في ملعبنا. والضوء، مهما خفت، ما زال يعرف طريقه إلى هذه الأرض.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الفكرة أو الرمزية، بل سرعان ما تحوّل تطبيق «أبسكرولد» إلى ظاهرة رقمية لافتة. ففي وقت قياسي، لفت التطبيق الأنظار، ودخل قائمة التطبيقات الأكثر تحميلًا على متجر “آب ستور”، بل واحتل المركز الأول، في مؤشر لا يمكن تجاهله على تعطّش المستخدمين لمساحة بديلة، أكثر عدلًا وأقل خضوعًا للرقابة الانتقائية. أما الشعار الذي رفعه عصام حجازي منذ اللحظة الأولى فكان واضحًا وصادمًا في بساطته: «صوت فلسطين لن يُقيَّد».
وفي مقابلة سابقة له، لخّص حجازي جوهر الفكرة حين قال إن الناس سئموا من حظر المحتوى الفلسطيني، ومن الرقابة المنحازة التي تكتم رواية وتُضخّم أخرى، مؤكّدًا أن هذا السأم كان الدافع الأساسي لتكريس جهده في إنشاء منصة عادلة وبديلة. هذا التوجّه لم يبقَ مجرّد تصريح إعلامي، بل انعكس في بيان المنصة الرسمي، الذي شدّد على أن «أبسكرولد» أُنشئت بناءً على طلب المستخدمين، وعلى أسس من الشفافية والثقة، مع التزام واضح بمنح كل منشور فرصته العادلة في الظهور، دون خوارزميات خفيّة أو أجندات سياسية موجّهة.
اللافت أن صعود المنصة لم يُقرأ تقنيًا فقط، بل سياسيًا وثقافيًا أيضًا. فقد ربط ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين انتشار «أبسكرولد» وبين ما اعتبروه جبهة رقمية جديدة في مواجهة محاولات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إحكام قبضته على منصات كبرى مثل «تيك توك» و«إكس»، بعد أن وصفها سابقًا بـ«الجبهة الثامنة»، ملوّحًا بمواجهتها بأدواته الخاصة. في هذا السياق، رأى كثيرون أن ما يجري اليوم ليس مجرد سباق تطبيقات، بل تحوّل حقيقي في طبيعة الصراع، حيث أصبحت معركة الوعي في صلب المواجهة، بل أحد أعمدتها الأساسية.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز عصام حجازي وتطبيقه:
هل ستغدو «أبسكرولد» ملاذًا للنشطاء، ومساحة أوسع لحرية التعبير؟
المؤشرات الأولية تقول إن الجواب قد بدأ يتشكّل بالفعل، خاصة مع تزايد أعداد الناشطين الذين أعلنوا إغلاق صفحاتهم على «تيك توك»، وانتقالهم إلى المنصة الجديدة، إلى جانب آلاف آخرين سارعوا إلى إنشاء حساباتهم فيها، بحثًا عن مساحة لا تُقصي الصوت الفلسطيني ولا تُفرغه من معناه.
إنها لحظة اختبار جديدة لنا جميعًا: هل نكتفي بالمراقبة، أم نكون جزءًا من هذا التحوّل؟
ففي زمن تُدار فيه الحروب بالكلمة والصورة والخوارزمية، قد يكون تطبيق ناشئ — خرج من غزة الجريحة — أكثر من مجرد منتج تقني؛ قد يكون أداة وعي، وفعل مقاومة، وبداية استعادة للصوت.
