نحن اليوم أمام طور جديد من الصراع، طور لم يعد فيه السلاح العسكري وحده هو الفيصل، بل غدا الإعلام نفسه ميداناً قائماً بذاته، تُخاض فيه معارك كسر الوعي، وصناعة الإدراك، وإعادة تعريف الواقع. لم تعد المسألة مرتبطة بما يحدث فعلاً، بل بما يُقنعك الإعلام أنه حدث، وكيف يُطلب منك أن تفهمه، وأين يُراد لعاطفتك أن تنحاز قبل عقلك.
لنضع يدنا على جوهر ما يمكن تسميته «فن صناعة الوهم السياسي». الوهم لا يُخلق من فراغ، بل يُبنى على عناصر حقيقية يتم اجتزاؤها، تضخيمها، إعادة ترتيبها، ثم ضخها في قالب سردي متماسك ظاهرياً، لكنه مفصول عن السياق القانوني والتاريخي والأخلاقي.
في الحالة الفنزويلية، لم يكن الخبر مجرد نقل واقعة، بل كان بناء رواية كاملة: «اعتقال رئيس ديكتاتوري مزوّر للانتخابات في عملية بطولية». بهذه الجملة وحدها، جرى اختصار القانون الدولي، وإلغاء مفهوم السيادة، وتحويل فعل الاختطاف السياسي إلى إنجاز أخلاقي. الإعلام هنا لم يناقش شرعية التدخل، بل افترض مسبقاً عدم شرعية مادورو، وبنى كل ما بعد ذلك على هذا الافتراض، وهو ما يسميه بعض منظّري الإعلام «التحكم بالإطار المرجعي قبل طرح الوقائع».
هذا النمط تكرر بوضوح في الحالة الإيرانية، ولكن على نطاق أوسع وأكثر كثافة. لم يكن الهدف نقل احتجاجات أو اضطرابات – وهي موجودة في أي دولة – بل خلق انطباع بانهيار وشيك، وبأن الدولة فقدت السيطرة، وبأن الشارع في حالة غليان شامل لا يمكن احتواؤه. هنا لعب التكرار، والضخ العاطفي، واللغة الموحّدة دوراً مركزياً: «ثورة شعبية»، «قمع دموي»، «نظام يترنح». وعندما رُبط هذا الخطاب بملف الجواسيس، جرى استبدال توصيف «عملاء مرتبطين بأجهزة خارجية» بمصطلح «معارضين سلميين»، ليس بدليل قانوني، بل بقرار سردي مسبق يخدم الغاية السياسية.
نجحت هذه السردية مؤقتاً في خلق حالة من النصر الوهمي، لكنها فشلت عند أول اختبار للزمن. احتواء الاضطرابات خلال فترة قصيرة، وبث الاعترافات المصورة، وتعطيل أدوات الاتصال التي رُوّج لها كسلاح خارق، مثل ستارلينك، كل ذلك أعاد تشكيل الصورة، ولكن بعد أن كانت الرواية الأولى قد فعلت فعلها في وعي الجمهور. وهنا مكمن الخطورة: السردية لا تهدف دائماً إلى الانتصار النهائي، بل إلى إرباك الخصم، واستنزافه نفسياً، ودفعه إلى موقع الدفاع المستمر.
يقول نعوم تشومسكي: «الدعاية هي للديمقراطيات أما العنف هو للديكتاتوريات». هذه المقولة تشرح بدقة ما يجري. عندما تفشل القوة العسكرية في كسر الخصم، يُصار إلى استخدام الإعلام كأداة قسر ناعم، تُدار عبره العواطف، ويُعاد عبره تعريف الخير والشر، والضحية والجلاد. ولهذا يتم التركيز المكثف على مفاهيم عامة وفضفاضة مثل «الحرية» و«الديمقراطية»، مع تفريغها من مضمونها، وتحويلها إلى لافتات تُرفع حيثما اقتضت المصلحة، وتُسحب حيثما تعارضت مع الواقع.
لدينا أمثلة كثيرة على دعايات إعلامية معاكسة للواقع. ما جرى في العراق عام 2003 تحت عنوان «أسلحة الدمار الشامل»، وما رُوّج له في ليبيا عن «مجزرة وشيكة في بنغازي»، وما يُقال عن سوريا منذ أكثر من عقد، حيث تم تسويق الجماعات المسلحة كـ«ثوار معتدلين» قبل أن ينكشف حجم التطرف والعنف. وفي كل مرة، يتبين لاحقاً أن السردية كانت أداة تهيئة نفسية للرأي العام، لا أكثر.
السؤال الجوهري الذي تطرحه: لماذا نحن دائماً في موقع الدفاع؟ لأن الدفاع أسهل، وأقل كلفة آنية، لكنه أخطر استراتيجياً. الدفاع يعني أنك تقبل بإطار الخصم، ثم تحاول تصحيح التفاصيل داخله. أما الهجوم السردي، فيعني كسر الإطار نفسه، وفرض أسئلة جديدة، وتعريف مختلف للوقائع. تبيين الحقائق بالأدلة لا يكفي وحده إن لم يُقدَّم ضمن قصة مفهومة، متماسكة، وقابلة للانتشار. فالجمهور لا يتفاعل مع الأرقام المجردة بقدر ما يتفاعل مع المعنى.
غياب بعض النخب العربية والمثقفين ليس صدفة، بل نتيجة منظومة ضغط وتخويف وتهميش، إضافة إلى انخراط بعضهم في السردية المهيمنة بدافع القناعة أو المصلحة. الاصطفاف السريع ضد إيران وقوى المقاومة، ثم التراجع الصامت بعد انكشاف الوقائع، يعكس هشاشة المواقف المبنية على الإعلام لا على التحليل.
ولو كانت هذه المقاومات قد انتهت فعلاً، كما يُشاع، لما احتاج خصومها إلى هذا الكم من الدعاية، ولا إلى تطوير أدوات جديدة بعد كل فشل عسكري. الخوف لا يكون من كيان متلاشٍ، بل من فكرة ما زالت قادرة على الصمود والتأثير. وكما قال غرامشي: «الأزمة تكمن في أن القديم يموت، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر الأعراض المرضية». هذا الفراغ هو ما تحاول الدعاية ملأه بالأوهام.
الإعلام اليوم ليس ناقلاً للمعركة، بل هو جزء لا يتجزأ منها. ومن لا يمتلك سرديته الخاصة، سيعيش دائماً داخل سردية خصمه، مهما امتلك من حقائق.
صناعة الوعي تبدأ من فهم آليات الخداع، والانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن الدفاع إلى المبادرة، ومن تفنيد الأكاذيب إلى بناء رواية مضادة، عقلانية، موثقة، لكنها أيضاً إنسانية وقادرة على مخاطبة العاطفة دون أن تفرّط بالحقيقة.
فاتنة علي_لبنان/سوريا الكبرى
