منذ بداية الأزمة السورية، لم تكن محافظة دير الزور مجرد نقطة جغرافية نائية، بل أصبحت محط أنظار القوى الدولية والإقليمية التي تتسابق للسيطرة على مواردها وطريقها الاستراتيجي. تحولت هذه المحافظة إلى ساحة صراع معقدة، حيث تتداخل الأبعاد الاقتصادية والعسكرية، مما يجعلها نقطة محورية في الاستراتيجيات الكبرى التي يتم تنفيذها على الأرض وفي الخفاء.

الأبعاد الاقتصادية: النفط والتحكم في ميزان القوى
تكتسب دير الزور أهمية خاصة في السياق الاقتصادي نظرًا لوجودها في قلب واحدة من أبرز مناطق النفط في سوريا. الموارد النفطية التي تحتوي عليها هذه المحافظة تجعلها أحد العوامل الأساسية في تحديد توجهات القوى الكبرى في المنطقة. في السنوات الأخيرة، ربطت الولايات المتحدة مصالحها في المنطقة ارتباطًا وثيقًا بمصادر النفط، سواء من خلال دعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو من خلال تحكمها المباشر على بعض حقول النفط.
لكن الأوضاع شهدت تحولًا، حيث بدأت أمريكا في رفع بعض الحصانة عن دير الزور لصالح مصالح أخرى، مثل نفط فنزويلا التي تعتبر بديلًا استراتيجيًا للنفط السوري. قد يكون هذا التحول ناتجًا عن إعادة توجيه الأولويات الاقتصادية الأمريكية، حيث أن النفط، رغم أهميته، ليس العامل الوحيد الذي يتحكم في موازين القوى الدولية. لكن الحقيقة هي الهدف العسكري القادم
في النهاية، تبقى دير الزور ورقة رابحة بالنسبة للولايات المتحدة وقوى أخرى، بالنظر إلى كونها عنصرًا أساسيًا في معادلة السيطرة على النفط في المنطقة. السيطرة على هذه الموارد تعني الهيمنة على مصدر استراتيجي يحدد مسار التوازنات الإقليمية والدولية.

الأبعاد العسكرية: بوابة استراتيجية تربط العراق بسوريا
ما يجعل دير الزور أكثر تعقيدًا هو البُعد العسكري لهذه المنطقة. تعتبر دير الزور نقطة استراتيجية تربط العراق بسوريا، وهي ليست مجرد منطقة نفوذ بل جزء من الجبهة العسكرية التي تشكل قلب الصراع الإقليمي. مع اقتراب المواجهات الكبيرة بين القوى الكبرى في المنطقة، مثل الولايات المتحدة وإخرائيل من جهة، والمحور المقاوم من جهة أخرى، أصبحت دير الزور اليوم نقطة فاصلة في التحكم بالتوازنات العسكرية.

وجود فصائل الجولاني على الحدود بين العراق وسوريا ليس الهدف منه مراقبة الحدود، بل بمثابة القوة الجاهزة للتدخل السريع في حال حدوث صدامات كبرى بين القوى المتنافسة. من خلال تعزيز وجود الفصائل المسلحة على الشريط الحدودي، قد تعمل القوى الغربية على استخدام دير الزور كأداة ضغط ضد العراق أو أي طرف آخر قد يتدخل في المواجهات الكبرى مع المحور المعادي للمصالح الغربية.

من هذه الزاوية، يمكن اعتبار دير الزور نقطة عسكرية حساسة، تتخطى كونها مجرد نقطة لتوزيع القوى العسكرية. فهي تمثل أحد الخطوط الأمامية التي تحدد مصير المنطقة في حال تفجر صراعات إقليمية جديدة.

هذا يذكرنا بالوضع على الحدود اللبنانية، حيث كانت هناك قوات جاهزة للتدخل في أي لحظة، لضمان تحقيق أهداف الكيان المحتل
أي ان فصائل الجولاني هم فقط حراس مصالح إخرائيل

ماذا وراء الأبعاد الظاهرة؟
وراء كل هذه الترتيبات، هناك استراتيجية أكثر تعقيدًا تتجاوز الأهداف المعلنة. تكمن الأبعاد الخفية في هذا التحرك في النوايا التي قد تكون أبعد من مجرد الصراع على النفط أو حتى على الحدود. من الواضح أن القوى الكبرى تسعى لتأمين مصالحها في المنطقة عن طريق خلق واقع جيوسياسي معقد، يجعل من الصعب على أي طرف منفرد تغيير الموازين دون موافقة القوى الدولية.

نعم تذكرون في عام 2011، عندما بدأت الأزمة السورية، قام الغرب بخلق أزمة موازية في العراق من أجل تشتيت الانتباه وتوجيه الأنظار بعيدًا عن تطورات الوضع السوري. كانت هذه الاستراتيجية تهدف إلى إضعاف أي تحرك محتمل من العراق لدعم سوريا، وفي الوقت ذاته الحفاظ على مصالح القوى الغربية وحمايتها من أي تهديدات إقليمية. لكن الإرادة الشعبية حررت نفسها وحررت العراق ودخل العراق لمساندة سوريا

اليوم، يبدو أن السيناريو نفسه قد يتكرر في دير الزور، حيث تعمل القوى الدولية والإقليمية على تنفيذ مشاريع وأجندات تتجاوز الأهداف الظاهرة. كل خطوة قد تكون جزءًا من خطة أكبر لتشكيل المنطقة بما يتناسب مع المصالح الخاصة.

في النهاية
دير الزور، على الرغم من أنها قد تبدو للوهلة الأولى مجرد نقطة جغرافية نائية، إلا أنها باتت تشكل اليوم محورًا استراتيجيًا من خلال الأبعاد الاقتصادية والعسكرية التي تحيط بها. إنها منطقة حساسة تشهد تحولات عميقة في موازين القوى الإقليمية والدولية. وبغض النظر عن الترتيبات التي تُعقد علنًا أو في الخفاء، تبقى هذه المحافظة محورية في تحديد مصير المنطقة ومستقبل التوازنات الإقليمية.

وكما هو الحال دائمًا في الشرق الأوسط، ما هو ظاهر للعيان قد يكون مجرد جزء صغير من خطة أكبر وأكثر تعقيدًا، في حين أن ما خفي عن الأنظار قد يكون الأهم.

على الشعوب أن تعلم بأن كل شبر من أرضها ملكها او محتل هو نقطة تربك مصالح القوى الغربية في المنطقة هذا لو أراد الشعب أن يتحرر

Asad Nsr
أسد نصر_الساحل السوري/سورية الكبرى