الشهيد الصمّاد…أثر خالد في الذاكرة.
خديجة طه النعمي.
ليس كل قائد يُقاس بمنصبه، ولا كل رمز يُقاس بزمن حياته، هناك من يترك أثراً يفوق وجوده الجسدي، ويصنع بصمة في وعي الأمة قبل أن يُسجل اسمه في صفحات التاريخ، الشهيد صالح الصماد هو واحد من هؤلاء القادة، رجل لم يركن إلى الكرسي ليصبح قائداً، بل أصبح قائداً لأن التاريخ والواقع اختبرا قيمته وسلوكياته، رحل جسداً، وبقي حضوره عميقاً في السياسة اليمنية وفي وعي شعب عاش تحت وطأة العدوان والحصار، وهو حاضر في ميدان، وكل مؤسسة، وكل قرار يرتبط بفكرة الدولة والسيادة.
في لحظة كانت فيها اليمن على شفا الانهيار، اختار الصماد أن يحافظ على فكرة الدولة لا مجرد سلطتها، كان قريباً من الناس، يرى معاناتهم بعيون لا تعرف الانحناء، ويترجم هذا القرب إلى قرارات عملية واقعية لا شعارات جوفاء،وهو من رفع شعار “يد تبني ويد تحمي” البساطة والقرب من الشعب في زمن العدوان والحصار لم يكن رفاهية أخلاقية، بل أداة سياسية حقيقية، تخلق الثقة وتمنع التفكك الذي سعى له العدو جاهداً، وتحول العلاقة بين الدولة والمجتمع من سلطة متعالية إلى التزام ومسؤولية مشتركة، من علاقة بين منصب وشعب إلى علاقة بين وطن وقيم.
رغم أنه لم يكن قائداً عسكرياً في الميدان، فإن استهدافه المباشر كشف عن قوة رمزية لم تُقاس بالمناصب، بل بالقيم والمواقف والمشروع الذي جسّده، القوة كانت في الثبات، في الخطاب الذي أعاد ترتيب الأولويات الوطنية، وفي الرؤية التي دمجت بين منطق الدولة ومنطق الصمود العسكري، كانت عبارته الخالدة “يدٌ تبني ويدٌ تحمي” أكثر من شعار تعبوي، بل منهج حكم حاول الجمع بين الأداء السياسي والالتزام الأخلاقي، بين إدارة الصراع وبناء المستقبل، بين اللحظة التاريخية ومتانة الدولة.
التجربة السياسية للصمّاد لم تقتصر على القرارات اليومية، بل امتدت إلى إعادة تعريف معنى القيادة نفسها، القيادة في زمن العدوان ليست مجرد اتخاذ قرار أو توزيع سلطة، بل هي القدرة على الحفاظ على تماسك الدولة، على صياغة الوعي الجمعي، وعلى جعل المبادئ الأخلاقية جزءاً من السياسات العملية، هنا، كان الصماد يثبت أن الأخلاق ليست عبئاً على السياسة، بل عنصر قوة أساسي، يخلق ولاءً مستداماً ويمنع التفكك الداخلي.
بعد استشهاده، تحولت تجربة الصماد من ممارسة سياسية إلى رمز ومرجعية أخلاقية وسياسية، وأصبح معياراً في وعي الشعب اليمني، لم تعد التجربة مرتبطة بوجوده الجسدي، بل بالقيم والمبادئ والمشروع الذي حمله، وتحولت الرمزية إلى أداة تأثير مستمرة على الخطاب السياسي، وعلى الطريقة التي يُفهم بها مفهوم الدولة والسيادة، ومع ذلك لم تكتمل كل المسارات السياسية، ولم يُتح لبعض القرارات الزمن الكافي لتتبلور، ما يجعل القراءة النقدية لتجربته ضرورية، ليس لتقليل قيمته، بل لفهم أبعادها بشكل كامل، ولتجنب تكرار الأخطاء في المستقبل.
اليوم، وبعد سنوات من استشهاده، لا يزال صالح الصماد حاضراً في وعي الشعب، وفي خطاب الدولة، وفي كل معركة وجودية للشعب اليمني، تجربة الصماد اتثبت أن القيادة الحقيقية ليست في المنصب أو الاسم، بل في القدرة على أن تُحدث تجربة فردية فارقاً جماعياً، وفي أن يُترك أثرٌ حي يتجاوز حدود الزمن، رحل جسداً، وبقيت التجربة معياراً، وبقيت القيم التي حملها نبراساً لكل من يؤمن بالكرامة والسيادة والوطن، وهنا فقط نفهم لماذا بعض القادة لا يرحلون أبداً، لأن حضورهم الحقيقي لا يُقاس بالزمن، بل بالأثر الذي يتركه في حياة الناس وفي مسار الأمة.
وفي النهاية، تجربة الشهيد صالح الصماد ليست مجرد سيرة قائد رحل، بل درس مستمر في الصمود والوعي والتوازن بين القوة والحق، بين الأخلاق والسياسة، بين اللحظة التاريخية وبناء المستقبل، تجربة لا تنتهي بموته، بل تستمر في كل قرار ووعي جماعي يُتخذ، وفي كل مواطن يعي قيمة الكرامة والالتزام، وفي كل جهد لبناء دولة لا تنهار أمام العدوان، ولا تُخضع للمساومة على قيمها، هذا هو البوصلة التي تركها الصماد، وهي لا تزال مضيئة لكل من يؤمن بأن الوطن أكبر من أي منصب، وأن القيادة الحقيقية تُصنع بالمواقف، لا بالكلمات فقط.
