لم تكن «عملية الملك» مجرّد محاولة معارضة عابرة، بل مشروعاً ثقيلاً صيغ بعقلية غرف العمليات، واستلهم تجارب إسقاط الدول وإعادة تركيبها من الخارج. مخططٌ طويل النفس، جرى العمل عليه لسنوات، انطلق من فرضية واحدة: أن تغيير إيران لا يمر فقط عبر الشارع، بل عبر إعداد بديل سياسي ودستوري مُسبق، يُقدَّم للعالم في لحظة الفوضى بوصفه «الحل الجاهز».

غير أن ما لم يدركه مهندسو الخطة هو أنّ هذا المشروع كان مكشوفاً منذ بداياته، وتحت رقابة دقيقة آثرت الانتظار لا الاصطدام، والتفكيك لا التعطيل.في صلب هذه الرواية، يبرز اسم نازنين برادران، شخصية جرى بناؤها بهدوء لتكون واجهة المرحلة المقبلة.

امرأة ذات خلفية قانونية، تنقّلت داخل الشبكات التنظيمية بأسماء مستعارة مثل «رها» و«برهام»، في محاولة لإخفاء دورها الحقيقي. لم تكن مهمتها تنظيمية أو إعلامية فحسب، بل أُنيط بها إعداد مسودة دستور لمرحلة ما بعد إسقاط النظام، في خطوة تكشف بوضوح طبيعة المشروع: ليس احتجاجاً بلا أفق، بل محاولة لفرض نظام سياسي بديل على أنقاض الدولة. وكان مخططاً أن تُدفع برادران إلى الواجهة لاحقاً، كرمز سياسي وميداني في مرحلة انتقالية يُفترض أن تعمّها الفوضى والفراغ.لكن هذا الدور لم يتكوّن من فراغ. فالمعطيات تشير إلى أنّ برادران تلقت توجيهاً مباشراً خلال إقامتها في الولايات المتحدة من آدم لوفينغر، ضابط الاستخبارات في وزارة الدفاع الأميركية، المعروف بدوره في مرحلة ما بعد غزو العراق، ولا سيما في صياغة دستوره.

اسم لوفينغر هنا ليس تفصيلاً، بل إشارة إلى محاولة استنساخ تجربة العراق، بكل ما تحمله من هندسة سياسية مفروضة من الخارج، ضمن إطار سياسات الضغط القصوى على إيران.ومع اكتمال البناء النظري، انتقلت الخطة إلى مرحلة أكثر استفزازاً ووضوحاً، تمثلت في الإعلان العلني عن قنوات تواصل مع الكيان الصهيوني. لقاءات وزيارات عُقدت بلا مواربة، وجرى خلالها بحث سيناريوات إسقاط النظام الإيراني.

ووفق المعلومات، كان رضا بهلوي جزءاً من هذه التحركات، بالتوازي مع إعداد وثيقة استراتيجية شاملة اعتُبرت خارطة الطريق للعملية. وقد حُدِّد زمن التنفيذ بين عام 2025 وبداية 2026، مع تحركات دبلوماسية موازية هدفها انتزاع اعتراف دولي بحكومة معارضة بديلة تُقدَّم بوصفها خياراً جاهزاً للمجتمع الدولي.

وعلى خط موازٍ، فُتحت جبهة الإعلام والحرب النفسية. ميزانية تُقدَّر بنحو 500 ألف دولار خُصصت لتأسيس ما سُمّي «جيشاً سيبرانياً»، مهمته ضرب صورة الجمهورية الإسلامية، وبث الشك والإرباك في الداخل الإيراني، والتأثير على الرأي العام الخارجي.

وترافق ذلك مع نشاط سياسي وإعلامي منظم للتقرّب من شخصيات أميركية وصهيونية معروفة بعدائها لطهران، في محاولة لتأمين غطاء سياسي وإعلامي متزامن مع ساعة الصفر.

لكن النهاية جاءت على عكس ما اشتهى المخططون. فبحسب التقديرات الأمنية، كان التنظيم مراقَباً منذ وقت مبكر، وخيوطه مكشوفة خطوة بخطوة، ضمن مقاربة هدفت إلى كشف الشبكة كاملة لا قطع رأسها فقط. وهكذا، سقطت «عملية الملك» قبل أن ترى النور، لا بفعل الصدفة، بل نتيجة صراع عقول طويل انتهى بتفكيك المشروع من الداخل.

وتشير المعطيات إلى أنّ ما كُشف حتى الآن ليس سوى جزء من الصورة، وأن المرحلة المقبلة قد تحمل تفاصيل أكثر حساسية، تُظهر حجم الرهانات الخارجية، وتشابكات المشروع الإقليمية والدولية، وتعيد طرح سؤال بات مألوفاً لدى السوريين: كم من الخطط تُرسم في الخارج، وكم منها ينهار قبل أن يلامس أرض الواقع؟