لم تكن ليلة البيتزا في البنتاغون سهلة، فمراحل المعارك في زمن اختبار القوة تحتاج إلى صبر وقوة تحكم في الاعصاب لانتقاء القرار الصائب لضرب العدو والمعارك لا تدار بالعنتريات والاسفاف.

كما لم يكن التسويق الاعلامي للضربة العسكرية ضد إيران تسريبًا للاستهلاك السياسي. والضغط للمفاوضات بل ليلة البيتزا تحركت فيها الطائرات،وعملت الردارات وفتحت غرف العمليات، وسيناريو التنفيذ كان قاب قوسين أو أدني، قبل أن يتوقف فجأة بقرار مباشر من ترامب نفسه.

كانت ليلة ردع عملت فيها أنظمة التشويش والسيبرانية في أعلى مستوياتها التكنولوجية بعد أن كشفت أغلب الاختراقات وتنظيف بؤر التوتر حين صفيت ميليشيات الاكراد في ايلام وقطعت طرق عدة منها بوشهر لشحنة 60 ألف قطعة سلاح التي هربت من الامارات وكانت في طريقها الى طهران لتنفيذ عمليات تخريبية. وإسقاط العاصمة في أتون حرب شوارع.

ما خطط لإيران من نشر فوضى وموجة اغتيالات داخلية تتبعها ضربات دقيقة للبنية التحتية والعسكرية والاقتصادية وفتح جبهة كردستان والاهواز وبلوشستان واذربيجان. ودفع جماعات انفصالية للسيطرة على مدن حدودية كبداية لمشروع اعلان تقسيم هو جزء من خطة حرب 12 يوم السابقة ليتبين ان الغرب وأدواته المخابراتية والاعلامية كان جاهزا للتغطية السياسية باسم حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية التي لم يعرفوها في غزة وظهر بالمكشوف أنّ دساتير لحكومات فدرالية حضرت وأسماء لشخصيات ستكلف بتسيير النظام القادم جهزت وعلى رأسهم ابن الشاه المقبور الذي قبل بحكم استان مركزي وتكفل بالاعتراف بمطالب الصهاينة كاملة وقبل بتقديم 40% من نفط إيران للأمريكان على أن ترجع له ملكية الحكم المنقوص والعجيب ان هذا السيناريو هو نفسه الذي جرى لمصدق ايام الاطاحة بحكومته. خطة كاملة عمل عليها الغرب لسنين بالتنسيق مع اطراف معارضة خارجية على طريقة الربيع العبري.

كان امتلاك إيران لأنظمة رقمية متطورة ولترسانة الصواريخ كخورمشهر الرهيب، الذي لا يقل كفاءة عن أوريشنك الروسي، ومدى سرعته 16 ماخ، وتسرب خبر السلاح السري للكهرومغناطيسي القادر على تعطيل وإعطاب أي جهاز الكتروني أو كهربائي، وتهديد طهران بتوسيع دائرة قصفها لتطال قبرص واليونان والقاعدة الامريكية الأهم في إدارة المعركة من المحيط الهندي دييغو غارسيا هو السبب الاساس لتأجيل الضربة.

في ليلة البيتزا كان البيت الابيض كما البنتاغون أمام خيارين، إمّا الحرب الشاملة المجهولة النتائج التي سترتد بالوبال على ترامب في معاركه الداخلية والخارجية في حال عدم نجاحها أو الانكفاء الى اجل غير مسمى تحت مبررات وجد لها تسويقات عديدة منها وساطات دول الجوار واذعان الايرانيين لتفاوض وتوقفهم عن قتل المتظاهرين وغيره.

لا يمكن فصل معارك ترامب الداخلية عن الخارجية ولا إيران عن فنزويلا ولا غرينلاند عن كندا ولا النفط عن الغاز، لأن أمريكا في سنة 2026 ستحتاج لأموال طائلة لسداد ديونها وجعل أمريكا عظيمة مجدداً كما يدعي ترامب والقوى الصاعدة في البريكس أدركت هذا الأمر، وسياسة تخبط ترامب تخفي ما يجري داخليا بمحاولة تصدير أزماتها لإيجاد مخارج لأزمتها الاقتصادية المستفحلة وايران مصدر مهم للنفط والغاز الذي يحتاجه ترامب دون تأخير.

في المعارك الثلاث الاخيرة: لبنان، ايران وفنزويلا تبين أنّ عدم الاستثمار في تكنولوجيا السيادة يمكن ان يخسرك المعركة. لان بياناتك، واتصالاتك، وتحويلاتك ورقائقك ووقودك الصلب وغيره من صنع الغير صحيح ان إرادتك الصلبة للمقاومة وحاضنة شعبك الواعي حصن قوي لإسقاط مخططات العدو لكن توفير وسائل الدفاع الممكنة شرط للثبات أمام عدوك.

ان معركة “الانظمة الرقمية” تحولت الى حلبة ازرار تتحكم في الحروب عن بعد ويمكن ان تغير المعادلة في ثوان. هذا ما حصل ليلة البيتزا، حين توقفت المعركة لتؤجل الى الوقت المعلوم. معضلة أمريكا اصبحت كيف نضرب إيران، لتظهر أنها قادرة على ضرب كل من تخول له نفسه التمرد على أمريكا العظيمة.

دخلت الصين في عين العاصفة حين قدمت تكنولوجية عسكرية متطورة الى إيران لأنها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني (عبر المصافي المستقلة). كما عوضت بسرعة نفط فنزويلا بنفط كندا في صفقة تخدم الطرفين.

كما نسف ترامب بإعلان رسومه الاخيرة على المتعاملين مع إيران «الهدنة التجارية» التي تم التوصل إليها العام الماضي. هذا ما فهمه الصيني وكان يتحضرله خشية رجوعه الى مربع الصفر واقتراب المعركة من حدوده الاقتصادية والجغرافية بنتائج حرب ايران.

في هذه المعركة يدرك ترامب انه لا يحارب إيران فقط؛ لأنه يعيد رسم خريطة التجارة العالمية بالقوة.

يبقى السؤال بما جرى هل ورطت واشنطن نفسها برفع سقف القدرة وكشفت ما تمتلك من قدرات عسكرية للأعداء وهزمت في الخطوة الاولى ليبقى سقف الرغبة للحرب مفتوحا على كل الاحتمالات؟

كان الصراع ولايزال مع إيران صراع بنيوي طويل الأمد، تُستخدم فيه أدوات الضغط المتدرّج من حصار اقتصادي وحرب خفية بدل المواجهة المباشرة. فإيران ليست دولة هامشية يمكن إخضاعها بضربة خاطفة، بل لاعب إقليمي يمتلك عمقاً جغرافياً، وقدرات ردع، وشبكة نفوذ ممتدة. لكن هذه المرة اختلفت الامور بحسابات طهران وواشنطن.

الشيء الذي لا يذكر ان إيران أثبتت في حرب 12 يوم قدرتها على اختراق الدفاعات الجوية الصهيونية والامريكية بضربها لمواقع حساسة وفي حال استهدف الكيان ووصل الى حافة الانهيار بأمطار من الصواريخ الإيرانية، هل سيلجأ للخيار النووي. حين لا تملك واشنطن القدرة على ايقافه في حربه الوجودية لمنع كارثة نووية. وبهذا هل ستفتح المعركة النووية بين الكبار على مصراعيها لتغير وجه التاريخ.

في الخلاصة الاستراتيجية نعيش عصر «الافتراس» الجيوسياسي للكيانات المستضعفة وعملية رسم مصالح الدول العظمى على حساب الدول المستضعفة بالقوى الثلاث الاقتصادية والعسكرية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والرقمنة، ومن يعيش على اطلال غيبوبة التاريخ. سيبقى حبيس اجترار الماضي يمارق العقول الخاوية.

السؤال الاخير هل الدفع باتجاه حرب ضد إيران ستتغير الى شاملة ؟هل سيصبح «فخا استراتيجيا» لأمريكا لتسريع سقوطها ؟ هل ستنعكس نتائج هذه الحرب على الكبار ، وتهدد بانهيار اقتصادي عالمي (عبر أسعار النفط)، لينتهي بحروب كارثية، ومن وراء هذا المخطط ولمصلحة من ستحصل هذه الحرب بعد حروب الفيروسات؟
حسن فضلاوي