لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن إيران ومسألة عدم تنفيذ الإعدامات مجرّد موقف عابر أو كلام سياسي للاستهلاك الإعلامي، بل جاءت – وفق معطيات متداولة عبر قنوات غير مباشرة – انعكاساً لتراجع واضح فرضته تطورات أمنية شديدة الحساسية جرت خلف الأبواب المغلقة، وأعادت رسم توازنات الاشتباك بين طهران وخصومها.
بحسب ما نُقل إلى الإدارة الأمريكية عبر وسيط خليجي، فإن عدداً من ضباط المخابرات الأمريكية والإسرائيلية الذين شاركوا أو أشرفوا على تحركات داخلية ذات طابع تخريبي داخل إيران، وقعوا في قبضة الأجهزة الأمنية الإيرانية بعد استدراجهم عبر دولة مجاورة ضمن عملية استخباراتية وُصفت بأنها محكمة ومعقّدة. وتشير الروايات إلى أن العملية لم تكن مجرد رصد تقليدي أو متابعة ميدانية، بل جاءت نتيجة بناء ملف استخباري طويل اشتمل على تتبّع مسارات الاتصال والدعم والتمويل، ثم ضرب الحلقة الحساسة في الوقت المناسب.
وتُعد هذه الواقعة – إن ثبتت تفاصيلها – اختراقاً أمنياً من مستوى متقدم، وضربة موجعة لأجهزة استخبارات كبرى، لأنها لا تُسقط عناصر ميدانيين فقط، بل تكشف قواعد الاشتباك وأساليب العمل والتموضع، فضلاً عن أنها تُربك شبكات الحلفاء التي تُستخدم عادة في هذا النوع من العمليات. والأهم أن إيران في هذه الحالة لا تحقق نجاحاً أمنياً داخلياً فحسب، بل تحصد مكسباً استراتيجياً يُغيّر المعادلة التفاوضية في لحظة حساسة تمر بها المنطقة.
وتفيد المعلومات المتداولة بأن طهران لوّحت بإمكانية بث اعترافات هؤلاء الضباط على الهواء مباشرة، وهو ما يعني انتقال الملف من نطاق أمني ضيق إلى فضيحة سياسية وإعلامية دولية قد تحرج واشنطن وتل أبيب، وتكشف للعالم تفاصيل شبكة التحرك ودول العبور وطبيعة الأدوار. ومع تصاعد هذا التهديد، طلبت الإدارة الأمريكية في اللحظات الأخيرة التريث عبر الوسيط الخليجي نفسه، في محاولة لاحتواء التداعيات قبل تحولها إلى زلزال دبلوماسي، خصوصاً أن حساسية الملف لا تتوقف عند الاعتقالات بل تمتد إلى ما يمكن أن يُكشف من معلومات عن عمليات أوسع وخطط مستقبلية.
وخلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة تغيّر مسار المشهد بصورة لافتة، ليس داخل إيران فقط، بل في المنطقة بأسرها، إذ إن أي إعلان رسمي أو تسريب مدروس بشأن العملية سيعيد فتح ملفات أمنية متشابكة تمتد من الداخل الإيراني إلى ساحات الصراع الإقليمي، وسيضع الأطراف المعنية أمام أسئلة ثقيلة تتعلق بحجم التورط ومقدار الاختراق، وما إذا كانت هناك عمليات أخرى جرى تعطيلها قبل تنفيذها.
في السياق ذاته، شهد الأسبوع الأخير تصاعداً في المواجهة الاستخبارية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، على خلفية محاولات متكررة لزعزعة الأمن الداخلي الإيراني عبر تشغيل شبكات مرتبطة بالخارج، واستغلال التوترات الاجتماعية، والدفع باتجاه تحركات فوضوية ذات طابع تخريبي، إلى جانب مسارات دعم لوجستي واتصال عبر دول الجوار. إلا أن المعطيات تشير إلى أن طهران تعاملت مع هذه الموجة بمنطق أمني هجومي، فانتقلت من مرحلة الإحباط الدفاعي إلى مرحلة التفكيك والاختراق، عبر رصد دقيق، وتوسيع دائرة المتابعة، واستخدام أساليب الاستدراج العكسي التي تُحوّل الخصم إلى هدف داخل مساره نفسه.
اللافت أن نجاح إيران في هذا الأسبوع لم يقتصر على تفكيك التحركات أو إحباط العمليات، بل اتجه نحو تحويل الملف إلى ورقة ضغط استراتيجية، عبر بناء سردية ردع تقوم على أن المساس بالداخل الإيراني لم يعد ممكناً دون كلفة مباشرة، وأن أدوات الحرب الناعمة والتخريب لم تعد تعمل بذات الفاعلية السابقة. من هنا يمكن فهم التحولات السريعة في لغة التصعيد لدى بعض الأطراف، وظهور إشارات تراجع أو مراجعة تكتيكية عند واشنطن تحديداً، في محاولة لمنع اتساع الأزمة وتحولها إلى لحظة كشف سياسي وأمني يصعب احتواؤها.
إذا صحّت هذه المعطيات، فإن المنطقة أمام مشهد جديد عنوانه انتقال الاشتباك من الساحات المفتوحة إلى ساحات الظل، حيث باتت المعركة تُدار عبر الاستخبارات وشبكات النفوذ والتسريبات المدروسة، وهو نمط صراع لا يقل خطورة عن المواجهات العسكرية، بل قد يكون أشد تأثيراً في إعادة تشكيل التوازنات، خصوصاً عندما يتحول إلى عنصر ضغط مباشر على القرار السياسي في واشنطن وتل أبيب.
