على مدار العقود الماضية، برز نمط متكرر في السياسة الأمريكية والغربية يقوم على خلق الأزمات وتسويق الأوهام تحت عناوين براقة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تكشف الوقائع أن المصالح هي المحرّك الأساسي لهذه السياسات.
ففي العديد من الدول المستقلة، لم تكن الأزمات وليدة الصدفة، بل نتاج تدخلات مدروسة تستهدف تفكيك الإرادة السياسية وإضعاف القرار الوطني. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة ما سُمّي بـ“الربيع العربي” بعيدًا عن الرواية السائدة التي تصوّره كحراك شعبي عفوي خالص.
إذ تشير معطيات كثيرة إلى أن موجة الاضطرابات بدأت بضرب أنظمة كان يُتوقّع منها دعم الدولة السورية في مواجهة الضغوط الغربية، فبدأ الاستهداف بتونس، ثم ليبيا، ثم مصر، في محاولة لعزل سوريا سياسيًا وإقليميًا.
أما العراق، فقد شهد أزمة موازية في التوقيت ذاته، ما أدى إلى تشتيت قدرته على التأثير الإقليمي ومنع أي تنسيق فعّال بينه وبين الدول المستهدفة الأخرى. هذه القراءة قد لا تحظى بإجماع، لكنها تطرح تساؤلات مشروعة حول تزامن الأحداث واتجاهاتها.
واليوم، يتكرر المشهد مع إيران. فالولايات المتحدة تدرك حجم التقدم الذي حققته إيران في مجالات متعددة رغم الحصار، لكنها في الوقت نفسه تعي أن المواجهة العسكرية المباشرة قد تؤدي إلى تغييرات إقليمية كبرى وخسارة السيطرة على توازنات دقيقة.
لذلك، يجري اللجوء إلى ما يمكن تسميته بـ“التسلل السياسي”، عبر خلق أزمات داخلية وبيع أوهام مؤقتة للشعوب، مع التراجع المرحلي عن خيار المواجهة المباشرة.
ومن اللافت أن الخطاب الغربي لا يتعامل مع دول المنطقة كدول “عالم ثالث” بالمعنى الحقيقي، فالتجربة أثبتت أن دولًا مثل سوريا، ومصر، والعراق، ولبنان، وتونس، وليبيا، وإيران، استطاعت تحقيق مستويات متقدمة من الصمود والتنمية، حتى في ظل الحصار والعقوبات.
ما لم يَرُق للغرب هو إرادة الشعوب واستقلالية القرار. فبدل الشراكة الحقيقية، سعى إلى فرض التبعية، مستعينًا في ذلك بنخب داخلية وظّفت أزمات بلدانها خدمة لأجندات خارجية، ما قاد إلى المزيد من الفوضى والحروب.
وتحت شعار “حقوق الإنسان والديمقراطية”، تم تبرير التدخلات، بينما غابت هذه الشعارات عن قضايا إنسانية كبرى في فلسطين، وأفريقيا، واليمن، وأفغانستان، والعراق، وغيرها.
ما يؤكد أن حقوق الإنسان تُرفع حيث توجد المصالح فقط.
ورغم كل ذلك، اصطدمت هذه المشاريع بإرادة شعوب صلبة، قاومت في العراق وفلسطين وسوريا ولبنان، وشكّلت هذه المقاومة عنصر حماية للأمة، يشبه دور كريات الدم البيضاء في الدفاع عن الجسد.
قد يتعمد البعض اليوم السخرية من مفهوم المقاومة، لكن هذا بحد ذاته نتيجة لحملات ممنهجة استهدفت تشويه الوعي وشراء العقول.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن الشعوب التي تملك إرادتها قادرة على إفشال أي مشروع خارجي، مهما بدا قويًا.
ولا عزاء للخائنين بعد إعلان الحق المبين
أسد نصر _ الساحل السوري/سورية الكبرى
