إيران في مرمى الهيمنة.. صمود السيادة أمام نيران الفوضى الأمريكية‑الصهيونية

أحلام الصوفي

تشهد إيران في الآونة الأخيرة موجة احتجاجات شعبية متصاعدة على خلفيات اقتصادية واجتماعية، لكنها أبعد بكثير من أن تكون مجرد ردود فعل داخلية عفوية. إذ إن تلك الأحداث تُحاك في سياق جملة من السياسات الإقليمية والدولية التي تستهدف تقويض أنظمة رفضت الخضوع للمشيئة الغربية، وخاصة تلك التي تمتلك قرارها المستقل وتؤكد على سيادتها الوطنية. ما يجري اليوم في إيران هو امتداد طبيعي لسنوات طويلة من الضغط الأمريكي والصهيوني منذ قيام الثورة الإسلامية وحتى اللحظة الراهنة.

منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، وهي تمثل نموذجًا مختلفًا في المنطقة؛ نموذجًا يحاول الخروج من دائرة التبعية والهيمنة، ويؤمن بنسق من العلاقات الدولية لا يتماهى مع إملاءات القوى الكبرى. هذا التمسك بالسيادة، ورفض سياسة الوصاية، وارتباط المصالح العليا للمجتمع بسياسات بعيدة عن الهيمنة الأميركية أو الإذعان للصهيونية، جعل من إيران هدفًا دائمًا لمشاريع الضغط والتآمر، وهو ما تجسد في العقود الماضية بصيغ متعددة من الضغوط الاقتصادية وحتى التحركات العسكرية.

الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل ليس عالميًا فحسب، بل هو محلي في جوهره، لأنه معركة بين إرادتين: إرادة تحرر وسيادة وطنية، وإرادة يفرضها استكبار دولي يسعى للحفاظ على نفوذه، وتوسيع رقعة هيمنته السياسية والاقتصادية. وقد أدرك القادة الإيرانيون منذ وقت مبكر أن المواجهة لن تكون سهلة، وأن الضغط الساحق والتهديد والحد من النفوذ في المنطقة لن يتوقف بمجرد اتفاقات أو تقلبات سياسية عابرة.

وقد زادت التوترات حدتها مع صعود إدارة دونالد ترامب، التي انتهجت سياسات أكثر تطرفًا من سابقتها، وعمدت إلى تصعيد الحرب الاقتصادية والمعنوية ضد طهران بدعم واضح من اللوبيات الصهيونية. فقد اتخذت واشنطن موقفًا عدائيًا لا يكتفي بفرض عقوبات اقتصادية، بل يتجاوزها للإيحاء بأن النظام الإيراني قابل للانهيار، وأن مكونات السلطة داخليًا يمكن كسرها عبر إثارة الاحتجاجات واستثمارها عبر أدوات خارجية لإحداث تأثيرات مباشرة على بنية الدولة.

لكن ما يجب إدراكه هو أن هذا التوجه الأميركي الإسرائيلي تجاه إيران يعكس قراءة خاطئة تُركِّز فقط على الجانب الاقتصادي أو السياسي الظاهري، وتغفل الأساس الثقافي والهوية الإيمانية التي يستمد منها النظام الإيراني قوته، ويستند إليها في مواجهة التحديات. فالإرادة الوطنية التي تُعلنها القيادة وشعور الانتماء العميق لدى شريحة واسعة من الشعب الإيراني تُعدّ عاملًا حاسمًا في مواجهة أي موجة ضغط أو تقلبات من الخارج.

في المقابل، تظهر تجربة إيران أيضًا شيئًا من هشاشة الأنظمة الأخرى في المنطقة التي تتعامل مع الواقع بمنطق التماهي مع الهيمنة الأميركية تارة، والتطبيع الصهيوني تارة أخرى، ظنًا منها أن ذلك سيجنبها التجاذبات، بينما الواقع الفعلي هو أن الاعتراف الأمريكي أو التطبيع مع إسرائيل لا يوفر ضمانًا للصمود أو يحمي من التدخلات الخارجية في رسم السياسات الداخلية والخارجية. فالمصالح العليا للأمة لا تُصان بسياسات التبعية، بل باستقلالية القرار واجراءات تحقق التوازن في العلاقات الدولية، وتحافظ على السيادة الوطنية والهوية الثقافية.

من هذا المنطلق، فإن ما يحدث في إيران اليوم وما يتبعه جو من التقلبات لا يمكن تفسيره بمعزل عن الصراع الدولي الأكبر، وهو صراع بين إرادتين؛ إرادة تتشبث بالسيادة وتُجسّدها في سياسات راسخة، وإرادة أخرى تسعى إلى اختزال الدول إلى أدوات في منظومة نفوذ شامل. وفي هذا الصراع، تبقى إيران نموذجًا حقيقيًا للمواجهة، وقدرة النظام الإيراني على تماسك وحدته رغم كل المحاولات، تدل على أنه ليس هناك تغيير جذري يمكن أن يحدث عبر استثمار الاحتجاجات أو تسييسها من الخارج، بل إن ما يعكسه ذلك التماسك هو خطوات تصعيد مهمةُ في مواجهة التحديات، ومؤشرٌ على أن إرادة السيادة يمكن أن تتجاوز أطماع الهيمنة، خصوصًا عندما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية والثقافة والوعي الشعبي.

وتكمن خطورة التحركات الحالية أيضًا في هدف أوسع يسعى إلى إدخال المنطقة في حالة فوضى دائمة وصراعات مفتوحةبحيث يصبح الاستقرار مهددًا في كل بلد لا يتماشى مع أولوية النفوذ الأمريكي أو المصالح الصهيونية. إيران، بنظامها وأيديولوجيتها، صارت نموذجا يستفز هذه القوى لأنها ترفض الانصياع، وتدفع باتجاه سياسات إقليمية مستقلة. لذلك، كانت ولا تزال إيران ممثّلة لتهديد لهذه الأطماع، الأمر الذي يجعل أي احتجاج أو انزعاج داخلي فرصة لاستثمار خارجي ليس إلا.

وقد ظهر واضحًا أن محاولة إسقاط النظام عبر تحريك الشارع أو الاستثمار في مشاعر الاحتجاج هي لعبة تكرّرها الولايات المتحدة في أماكن متعددة. في سوريا، مثلًا، سعيًا لإسقاط الحكومة ذات السيادة، وفي العراق، لفتت الانتباه إلى ذلك من خلال استهداف العراق لمحاولة إعادة رسم خارطة النفوذ لصالح واشنطن. إلا أن التجربة الإيرانية تختلف في جوهرها، لأنها قاعدة اجتماعية وسياسية متماسكة، لا تُفقد تماسكها بهذه السهولة، وتتمتع بقدرة عالية على امتصاص الصدمات.

ولعلّ ما يجري الآن يعكس إخفاق تلك السياسات في إحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني، بل إن رد الفعل وتماسك المؤسسة السياسية في مواجهة الأزمة قد يعززان من قدرة النظام على الصمود، بل ويزيدان من وعي الشارع بمدى حجم المؤامرات الخارجية والتأثيرات فيها. فالوعي الشعبي الذي يُدرك أن ما يجري هو أكثر من مجرد مطالب اقتصادية وبينها فرض أدوار مؤدلجة من الخارج هو عامل رئيس في قلب المعادلة لصالح ثبات النظام.

في نهاية المطاف، ما يجري في إيران هو درس في فهم العمق الاستراتيجي للصراع الدولي وليس مجرد موجة احتجاجات داخلية. فالاستقلال الحقيقي، وإن تعرض للصعاب، لا يُهزم بمجرد زيغٍ في الشارع، ولا يمكن أن تُجبر الإرادة الحرة على الركوع أمام إرادات خارجية مهما بلغ حجم الضغوط. في هذه المعركة الكبري، يكون الصمود سيادة، والوعي قرار، والانتصار ليس في إسقاط الأنظمة، بل في الحفاظ على إرادة الشعوب الحرة في تقرير مصيرها بعيدًا عن وصاية الهيمنة والاستكبار.