من مزرعة الحيوان الى مزرعة النظام
الخنازير لا تكسر القوانين، بل تعيد كتابتها

د. فريد عبد الجبار ولد علي

في إحدى ليالي مزرعة الحيوان، انتشر همسٌ قَلِق بين الحيوانات. أن الخنازير كانت تنام على الأسرة داخل البيت، حيث كان البشر ينامون قديمًا. واستعاد بعض الحيوانات ما بقي في ذاكرتهم من مبادئ الثورة، وارتفعت تساؤلات خافتة: ألم يكن النوم في الأسرة محرَّمًا؟ ألم يُقَرّ منذ البداية أن جميع الحيوانات متساوية؟ احتكموا إلى الوصايا المكتوبة على الجدار. تقدّموا واحدًا بعد آخر، يتهجّون الكلمات ببطء، وكأنهم يقرؤون نصًا لم يروه من قبل. وكانت المفاجأة أن الوصية لم تعد كما حفظوها. لم يكن فيها منع مطلق للنوم في السرير، بل هناك شرطٌ صغير في آخر السطر “ألا يكون السرير مغطّى بالملايات”. ولم يتذكّر أحد هل كان هذا الشرط موجوداً؟ أم تم اضافته لاحقاً!
وحين احتج بعض الحيوانات على عدم العدالة والمساواة في المعاملة وتوزيع الموارد، وتم الاحتكام لميثاق الحيوان “الوصايا السبع” المكتوبة على الجدار، تبين أن النص يقول: “جميع الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها”.
لم يُلغَ الدستور، لم تُعلَّق الشعارات، ولم تُحرق خطابات الثورة. كل ما حدث أن السلطة أمسكت بالطبشورة، فتغير المعنى، وأصبحت القاعدة استثناء، والنص كما تشتهي الخنازير. ومنذ تلك الليلة أصبحت الكتابة على الجدار لتعديل الوصايا، باسم الضرورة، وبذريعة الخطر الداهم، وتحت حراسة كلاب مدرَّبة على منع الذاكرة.
من هنا، يمكن فهم المشهد السياسي العالمي اليوم، لا بوصفه سلسلة أزمات منفصلة، بل كجدار واحد يُعاد الكتابة عليه كل ليلة. فالقانون الدولي لم يسقط فجأة، ولم يُعلن موته رسمياً. فهو ما زال معلقاً على الجدار، لكن بصيغة جديدة. يؤخذ به إذا دعت الحاجة لذلك، ويترك كلوحة جميلة تُضْفي على المكان ألقاً مزيفاً عندما يتعارض مع الطموحات.
حين يُعتقل رئيس دولة ذات سيادة، لا يُقال إن السيادة انتُهكت في خرق واضح للقانون الدولي، بل يُقال إن “القانون قد تم تطبيقه”. وحين تطالب قوة عظمى بأرضٍ ليست لها -جرينلاند- لا يُسمّى الأمر توسعاً أو قرصنةً سياسيةً، بل “مصلحة استراتيجية”. وحين تُختزل غزة في خرائط التفاوض، لا يُذكر أهلها، بل موقعها. وحين يُضغط على زيلينسكي للتنازل لبوتين عن أراضٍ أوكرانيةٍ، لا يُقال إن ذلك خيانةً لمبدأ السيادة، بل “واقعية سياسية”.
هكذا تعمل الخنازير دائماً. فهي لا تناقش المبدأ، بل تغيّر تعريفه. لا تلغي القانون، بل تعيد شرحه بلغة لا يفهمها إلا من يملك القوة. وفي مزرعة الحيوان، لم تكن الخنازير بحاجة الى تبرير كل تناقض؛ كانت تكتفي بالقول إن الظروف تغيّرت، وإن المزرعة في خطر، وإن الطاعة الآن هي عين الحكمة وقمة الوعي. وبهذا المنطق يُطلب من العالم أن يتجاهل مذكرة توقيف بحق نتنياهو، ولا يُقال إن العدالة عُطّلت، بل إن التوقيت غير مناسب، وإن الحليف لا يُحاسَب في العلن. وإن الأولويات تقتضي الصمت. مرة أخرى، القانون لم يُلغَ، والعدالة لم تعطل؛ بل أُغلِق عليها الباب، وطُلب منها أن تنتظر.
المفارقة القاسية، أن خنازير أورويل كانت تتحدث باسم الثورة والحرية والخلاص من ظلم البشر. أما خنازير هذا العصر، فهي التي تعيد كتابة القانون الدولي وتتحدث باسم النظام العالمي، والاستقرار، والدفاع عن القيم نفسها التي تُسحق يومياً تحت جنازير الدبابات. ولم يعد الشعار “الحرية”، بل “القواعد”. ولم يعد السؤال، هل ما يحدث عادلاً؟ بل من يملك تفسير العدل؟
في المزرعة، حاولت الحيوانات البسيطة أن تتذكر، أكان هذا هو القانون دائماً؟ أكان مسموحاً للخنازير ما لا يُسمح لغيرها؟ لكن الذاكرة كانت تُهزم أمام الجدار الجديد، المكتوب بخط واضح، والمحفوظ بحراسة الكلاب. وفي عالمنا، تحاول الشعوب أن تتذكر، ألم يكن احتلال الأرض جريمة؟ ألم يكن اعتقال رؤساء الدول انتهاكاً؟ ألم تكن العدالة واحدة؟ لكن الإجابات تضيع في ضجيج المؤتمرات الصحفية، وتغرق في بيانات القلق العميق، وتُدفن تحت ركام المصالح.
من هنا، فما يقوم به ترامب -من اعتقال رئيس، إلى المطالبة بالأراضي، إلى المقايضة بالجغرافيا، إلى الصمت عن جرائم الحلفاء- لا يبدو انحرافاً طارئاً أو نزوة شخصية، بل استمراراً دقيقاً لمنطق الخنازير. منطق من يملك القوة ليكتب القاعدة، ثم يمحوها، ثم يطلب من الجميع التصديق. ويصبح الخطر الحقيقي ليس في كسر القواعد، بل في إعادة كتابتها، حتى يبدو الكسر عدلاً، والظلم نظاماً، والهيمنة قانوناً دولياً مكتوباً بالطبشورة بأيدي الخنازير وتحت حراسة الكلاب.
وفي النهاية، كما في خاتمة مزرعة الحيوان، يقف العالم أمام مشهد مربك، ينظر إلى من يرفع شعار القانون، ثم إلى من يدهسه، فلا يعود قادراً على التمييز بينهما.

وهنا تكمن المأساة الأدبية والسياسية معاً، حين يتحول القانون الدولي إلى جدار تُمسح عنه العبارات كل ليلة، وحين يستيقظ العالم ليجد أن السيادة والعدالة وحقوق الإنسان صارت كلماتٍ جميلة، لكنها بلا أسنان. تماماً كما انتهت “مزرعة الحيوان” بمشهدٍ بالغ القسوة حين لم يعد أحد قادراً على التمييز بين الخنازير والبشر. كذلك اليوم، يصعب التمييز بين من يدّعي حماية النظام الدولي، ومن يعمل فعلياً على تفكيكه.