ما يجري في ايران اليوم لا يمكن مقاربته بمنطق الخبر العاجل ولا بمنطق الاصطفاف العاطفي، بل يحتاج الى قراءة استراتيجية باردة تميز بين الحدث كما هو، والحدث كما يجري تسويقه.
في هذا السياق، تبرز الاخبار التي راجت اخيرا عن سيطرة المتظاهرين على مقار الباسيج في مدن كرمان واراك واسد آباد كنموذج كلاسيكي على الفجوة بين الواقع الميداني والرواية المتداولة.
حتى هذه اللحظة، لا توجد اي مؤسسة اخبارية دولية معتبرة اكدت حدوث سيطرة كاملة ومنهجية على مقار امنية كبرى من هذا النوع، رغم وجود احتجاجات فعلية، ومواجهات محدودة، ومحاولات اقتحام جزئية لبعض المباني الحكومية.

هذه الملاحظة ليست تقنية او صحفية فقط، بل هي مدخل ضروري لفهم طبيعة الصراع الجاري. فالاحداث في ايران لا تقع في فراغ، بل داخل بيئة مركبة تتقاطع فيها ازمة داخلية بنيوية مع صراع اقليمي ودولي مفتوح. الاحتجاجات الحالية تنبع في جوهرها من اسباب داخلية واضحة، تدهور اقتصادي مزمن، تضخم مرتفع، تراجع قيمة العملة، اختناقات في سوق العمل، وازمة ثقة متراكمة بين قطاعات واسعة من المجتمع ومؤسسات الدولة. هذه العوامل كافية بذاتها لتفسير خروج الناس الى الشارع، ولا تحتاج الى تآمر خارجي كي توجد.

لكن الخطا التحليلي الاكبر هو التوقف عند هذا الحد. فالتاريخ السياسي الحديث يعلمنا ان الاحتجاج المشروع لا يبقى شانا داخليا خالصا حين يقع في دولة مصنفة خصما استراتيجيا في النظام الدولي. هنا تحديدا يدخل العامل الخارجي لا بوصفه محركا اوليا، بل بوصفه مستثمرا نشطا في مسار الازمة. هذا الاستثمار لا يتطلب السيطرة على الشارع، بل يكفيه اعادة صياغة السردية، وتضخيم لحظات بعينها، ودفع الوعي الجمعي نحو استنتاجات متعجلة.

في هذا الاطار، تتعامل الولايات المتحدة مع الداخل الايراني منذ سنوات باعتباره ساحة ضغط غير مباشر. الادوات المستخدمة معروفة ومعلنة، اعلام موجه ناطق بالفارسية، دعم تقني لمنصات تجاوز الحجب، خطاب سياسي يربط العقوبات بالضغط الشعبي، ومحاولات دائمة لتصوير اي اضطراب اقتصادي على انه مقدمة لانهيار شامل. الهدف هنا ليس اسقاط النظام عبر الشارع، بل استنزافه، واضعاف تماسكه الداخلي، ورفع كلفة بقائه في حالة صراع دائم مع بيئته.

اما اسرائيل، فتنظر الى المشهد من زاوية اكثر ضيقا لكنها اكثر حدة. ما يهمها في الاحتجاجات الايرانية ليس مطالب المتظاهرين، بل اي شرخ في الجبهة الداخلية يمكن استثماره في معركة طويلة النفس مع دولة تعتبرها التهديد الاستراتيجي الاول. لذلك، نلاحظ في الاعلام العبري ومراكز الابحاث الاسرائيلية ميلا دائما الى المبالغة في توصيف الاحداث داخل ايران، والاسراع في استخدام مفردات من نوع السقوط والانهيار والسيطرة، حتى عندما لا تسندها الوقائع.

من هنا يمكن فهم لماذا يتم التركيز تحديدا على اخبار تتعلق بالباسيج. فالباسيج ليس مجرد جهاز امني، بل بنية رمزية تمثل الربط بين الدولة والمجتمع، وبين الايديولوجيا والامن. الادعاء بالسيطرة على مقاره لا يهدف فقط الى توصيف حدث ميداني، بل الى كسر صورة ذهنية، وزرع انطباع بان النظام فقد احد اعمدته الداخلية. في الحروب النفسية، الرموز اهم احيانا من الارض.

لكن القراءة الواقعية للمشهد تشير الى ان ما يجري حتى الان لا يرقى الى هذا المستوى. الاحتجاجات متقطعة جغرافيا، متفاوتة في حدتها، وتفتقر الى قيادة موحدة او برنامج سياسي جامع. هذا لا يقلل من مشروعيتها الاجتماعية، لكنه يحد من قدرتها على التحول الى فعل سياسي حاسم. في المقابل، لا تزال الدولة تحتفظ بتماسك مؤسساتها الامنية والعسكرية، وتتعامل مع الازمة بمنطق الاحتواء المتدرج، مزيج من الضبط الامني، والاشارات السياسية، ومحاولات امتصاص الغضب اقتصاديا.

المفارقة التي يجب التنبه لها ان تضخيم الاحداث قد يخدم الخارج اكثر مما يخدم المحتجين. حين يتم تصوير كل مواجهة محدودة على انها لحظة حسم، وحين يتم تداول اخبار غير مؤكدة عن سقوط مؤسسات امنية، يتم خلق فجوة بين التوقع والواقع. هذه الفجوة، حين تنكشف، غالبا ما تنقلب احباطا، وتمنح السلطة فرصة لاستعادة المبادرة.

استراتيجيا، يمكن القول ان ايران تقف امام ثلاثة مسارات محتملة. الاول، استمرار الاحتجاجات ضمن سقفها الحالي، بما يعني جولات كر وفر دون تغيير بنيوي، مع بقاء الازمة الاقتصادية مفتوحة. الثاني، انتقال الاحتجاج من طابع معيشي الى طابع سياسي منظم، وهو احتمال يتطلب شروطا لم تنضج بعد. الثالث، نجاح الدولة في اعادة ضبط المشهد عبر اصلاحات جزئية واحتواء امني، بما يؤدي الى تهدئة مؤقتة دون معالجة جذرية للاسباب.

في كل هذه السيناريوهات، يبقى العامل الخارجي حاضرا كقوة ضغط لا كصانع قرار. لذلك، فان القراءة الرصينة لا تقع في فخين متقابلين، لا تنفي الغضب الشعبي ولا تقدسه، لا ترى في كل احتجاج مؤامرة ولا في كل رواية حقيقة. بل تنطلق من ان الصراع الحقيقي اليوم هو على الوعي، على من يملك تفسير ما يجري، لا فقط على من يملأ الشارع.

من هنا، يصبح التعامل مع الاخبار، خاصة تلك التي تمس مؤسسات سيادية حساسة، مسالة استراتيجية لا تقل اهمية عن الحدث نفسه. فالمعركة في ايران، كما في غيرها، ليست فقط على الارض، بل في السردية، وفي قدرة كل طرف على فرض روايته باعتبارها الواقع.

بقلم معتز منصور – باحث سياسي

“الصورة لمتظاهرين مؤيدين نزلوا إلى الشوارع ضد مظاهرات المعارضة”