فنزويلا: فاجعة سقوط السيادة في مواجهة مطرقة الهيمنة

لا تهبط الأحداث على فنزويلا اليوم كخبرٍ عابر، بل تنزل كصاعقة تكشف ما يخفيه ضجيج الشعارات البرّاقة.

إن اعتقال الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته بقوةٍ خارجية تدّعي إمساكها بمطرقة القانون الدولي، بينما تعيد تشكيله وفق أهوائها، ليس سوى فصلٍ جديد من سيناريو الهيمنة القديم.

إنه إعلان صارخ بأن «القوة» هي اللغة الوحيدة التي تتقنها هذه الدول في اللعبة الدولية، وأن «السيادة» تتحول إلى وهمٍ هشّ أمام جبروت «النفوذ»، وأن المواثيق الدولية ليست سوى حبرٍ على ورق، يُعاد تفسيره كلما اشتهت القوى العظمى ثروةَ أمة، أو أرادت تركيع شعب.

ثروات الشعوب تتحول إلى نقمة في ظل اللص الأميركي

في قلب هذه العاصفة، يتجلّى الهدف بوضوح: احتياطي النفط الأضخم عالميًا، تلك الثروة التي تحوّل الجغرافيا إلى ساحة حرب، والوطن إلى غنيمة مستباحة. فالنفط هنا لم يعد مجرد سلعة، بل صار «جريمة» يُعاقَب عليها من يملكه، ما لم يكن تحت جناح الشيطان الأكبر ونفوذه.

إنها اللعبة ذاتها التي تتكرر عبر التاريخ: تحويل ثروات الشعوب إلى نقم، وكنوزها إلى ذرائع لاستهدافها.

ها هي سوريا، في الشرق المنكوب، تقدم نموذجًا آخر للاستنزا، وإن اختلفت الآلية. فهناك لم تكن الهيمنة مباشرةً بهذا الوضوح الفج، بل اعتمدت على تمزيق النسيج الوطني، وتفكيك الدولة من الداخل، والسيطرة على مواردها النفطية تحت ظلال حروبٍ وهمية مع تنظيمات كانت، في الأصل، مفخرةً من مفاخر الصناعة الأميركية.
وفي الوقت ذاته، ظلّت مؤسسات الدولة الرسمية مستهدفة بالوكالة.

أما في فنزويلا، فإن الاستهداف اليوم يتخذ شكلًا أكثر مباشرة ووقاحة: استهداف رأس الدولة نفسه ومؤسساتها السيادية بشكلٍ علني، وكأن الرسالة واضحة: لم يعودوا يكتفون بتفكيك الدولة، بل يسعون إلى اختطاف قرارها السياسي بجرأة مطلقة.

قد تختلف الأدوات، لكن الجوهر واحد: استراتيجية منهجية لتحويل الدول القوية إلى أشلاء مستباحة، وشلّ إرادتها، وجعل مواردها العامة ساحةً للنهب المنظم.

ولكن في القلب شعلة لا تنطفئ!

غير أن التاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي ترفض أن تكون ضحية هي وحدها من تصنع مصيرها. فنزويلا، التي تقف اليوم في عين العاصفة، وسوريا، التي دفعت ثمنًا باهظًا دفاعًا عن سيادتها، ترويان الحكاية نفسها:
أن «الأشجار التي تموت واقفة، تظل ظلالها أطول من عمر الجلادين».
إنه قانون المقاومة الأبدي.

وهنا نستحضر أيقونة التحرر إرنستو تشي جيفارا، الذي قال ذات يوم:
«لا يهمني متى وأين سأموت، لكن يهمني أن يبقى الثوار من خلفي يدوسون طريقي».

كلماته اليوم تتردّد كأنشودة مقاومة في شوارع كراكاس ودمشق، تعبيرًا عن روح الرفض للاستبداد والغطرسة الداخلية والخارجية، وعن الإيمان بأن الكرامة أغلى من الحياة ذاتها.

لذلك، فإن الشعوب التي تدرك أن ثرواتها جزء من كينونتها وهويتها، لن تسمح بتفريغها في الخزانات الأميركية.

إنها المعركة ذاتها التي خاضها جيفارا وأمثاله عبر القارات:
معركة الوجود ضد النهب، والإرادة ضد الإذلال.

فنزويلا اليوم ليست وحدها في هذا الحصار؛ إنها حلقة في سلسلة المقاومة الإنسانية الطويلة. ولأننا نعيش زمن الغياب، فلن نضع نقطة النهاية، بل سنكتب كما كُتب من قبل: «يُتبع»، لأن الختام الحقيقي لا يكون إلا كما علّمنا الثائر الأرجنتيني:

«لا يُهزَم شعبٌ يقرّر أن يموت واقفًا».
م.و سورية الكبرى