الأمم لا تُهزم بجيوش غريبة بقدر ما تُهزم من الداخل، حين يتآكل جدار القيم ويتداعى أساس الضمير الجمعي، ولئن كان التاريخ يعجُّ بأمثلة على حضاراتٍ زالت، فإن الرابط المشترك بينها جميعاً هو الانحطاط الأخلاقي قبل الانهيار السياسي أو الاقتصادي.

وكأن ما يجري في هذه البقعة من مشاهدَ محبطة،

قد اعتدتم عليها، لا يعلم المرء ماذا يقول !!!

فترى متصهينين يحتفلون بينما عدوهم يقصف أرضهم، ومتصهينين يحتفلون بالتقسيم

على ضفة لبنان يطالب المتصهينون بتسليم السلاح و يحتفل آخرون بتسليم القوات الفلسطينية لسلاحها في لبنان بينما يقوم العدو بقصف جنوب لبنان في نفس التوقيت !

ماهذه الأمة البائسة

ماهذه البقعة الجغرافية المنكوبة

ماهذه الشعوب الضالة

شعوب منهارة بكل المعاني والقيم

حين تنهار القيم، لا يكون السقوط فجائيًا، بل يبدأ من التفاصيل الصغيرة: من التساهل مع الكذب، ومن تبرير الفساد، ومن تحويل الخيانة إلى “دهاء”، والسرقة إلى “شطارة”.

إنها لحظة خفية في بدايتها، لكنها تتراكم حتى تصبح نمط حياة، فالمجتمعات لا تُهزم فجأة، وإنما تنهار حين تضعف حصونها الداخلية، وحين يُغتال الضمير على مهل.

الانحطاط الوطني ليس مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية، بل هو لحظة موت الضمير الجمعي، حين تُقدَّم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، وحين يُستبدَل الانتماء للوطن بالانتماء للجيوب والقبائل والمصالح الضيقة.

وحين يرضى المواطن بالقليل من الفتات مقابل صمته، وحين يُعتقد أن النجاة تكون فردية وليست جماعية، هناك تبدأ الأمة بالتفكك، وتفقد قدرتها على النهوض من جديد.

يظهر الانحطاط في الإعلام الذي يزيّف الحقائق، وفي التعليم الذي يقتل العقل بدل إحيائه، وفي الشارع حين يصبح الصوت الأعلى هو صوت العنف لا صوت القانون.

ويظهر أيضاً في الثقافة التي تتخلى عن رسالتها، وفي الفنون التي تتحول إلى تسلية رخيصة بدلَ أن تكون مرآةً للوعي، وفي الخطاب الديني حين يُستَعمل لتبرير الظلم لا لمقاومته.

تتساقط القيم كما تتساقط أوراق الخريف: الصدق، الأمانة، التضحية، العمل الشريف.

ويحلُّ مكانها التملُّق، الرياء، والبحث عن المكاسب بأي وسيلة.

ومع كل ورقة تسقط، يخسر المجتمع جزءاً من ذاكرته النقية، وجزءاً من روحه التي كانت تصنع إنسانيته.

وما أخطر هذا السقوط حين يصبح العاديون لا يرونه، حين يعتاد الناس العيش وسط الفساد كأنه هو القاعدة لا الاستثناء.

فالتطبيع مع الانحطاط هو موت آخر، إنه موت الوعي قبل موت الجسد، موت القيم قبل موت الأوطان، وحينها يصبح الإصلاح مهمة شبه مستحيلة، ما لم يخرج صوت صادق يوقظ ما تبقى من الضمائر.

يا موطنَ الأمجاد، كيفَ الهوى ضاعا؟

كيفَ انجلى المجدُ، واستوطنَ الأوجاعا؟

ضاعَ الصفا، والحق غاب،

فمتى نُعيدُ الفجرَ إشراقا وشِعاعا؟

ولعل الفجر لا يعود إلا حين يدرك كلُّ فردٍ أن الوطن ليس أرضاً فقط، بل هو فكرة ومسؤولية، وأن القيم ليست شعارات تُرفع، بل سلوك يُمارَس، وأن النهوض يبدأ من الداخل قبل أن يكون قراراً سياسياً أو خطةً اقتصاديةً .

إنَّ الألم يبدأ من الخارج وينتهي في الوطن…

أسد نصر – سورية