يشهد المشهد الإعلامي والسياسي تداول تحليلات وتقارير مثيرة للقلق حول احتمالية تحضير المسرح الدولي لحدث أمني كبیر داخل الأراضي الأمريكية أو محيطها، يُستغل كذريعة كبرى لتبرير عمل عسكري واسع النطاق ضد إيران. يطرح هذا الواقع تساؤلات خطيرة حول ما إذا كانت الإدارة الأمريكية تسعى لاستنساخ سيناريوهات تاريخية مظلمة، مثل اختلاق أو استثمار الأحداث الكبرى (كما يرى بعض النقاد في حوادث تاريخية كـ “بيرل هاربر”) لتبرير استخدام أقصى درجات القوة، وصولاً إلى التساؤل المبطن عما إذا كانت القواعد الاستراتيجية للحروب الكبرى قابلة للتكرار في العصر الحديث.
أولاً: “لاري سيلفرستين” وتاريخ التنبؤات العقارية والتأمينية
يتطرق التحليل إلى قصة الملياردير الأمريكي لاري سيلفرستين، الذي استأجر برجي التجارة العالمي في نيويورك قبل أحداث 11 سبتمبر 2001 بأسابيع قليلة، وحصل لاحقاً على تعويضات ضخمة نتيجة بوليصة تأمين تغطي “الأعمال الإرهابية”. واللافت في الطرح الحالي هو تكرار نمط شبيه؛ حيث قام سيلفرستين بشراء برج “يو إس بانك” (US Bank) في لوس أنجلوس بسعر منخفض إبان جائحة كورونا، ليُصار حديثاً إلى تجديد بوليصات التأمين لهذا البرج بمبالغ خيالية. يطرح هذا السلوك تساؤلات مشروعة في الأوساط الشعبية والإعلامية حول وجود معلومات مسبقة لدى ما يسمى “نادي الكبار” أو النخب النافذة بأن شيئاً درامياً ما قد يتعرض له هذا العقار أو غيره في المستقبل القريب.
ثانياً: مسيرات “لوكاس” الأمريكية.. هل هي “حصان طروادة” للعمليات المُموّهة؟
أحد أبرز العناصر التقنية والعملياتية التي يطرحها التقرير هو إعلان البنتاغون عن تصنيع طائرة مسيرة جديدة تحمل اسم “لوكاس”، والتي تبيّن أنها نسخة طبق الأصل عن المسيرات الإيرانية الشهيرة من طراز “شاهد”.
المبرر الرسمي المعلن: يُزعم أن الغرض من تصنيع نسخ مطابقة هو لأغراض التدريب والمحاكاة.
القراءة التحليلية الخبيثة/المعارضة: يرى المحللون أن مثل هذه الأسلحة المطابقة قد يُعاد استخدامها في “عمليات تحت الراية المزيفة” (False Flag Operations). بمعني أن يتم ضرب أهداف داخل الولايات المتحدة أو مصالح حيوية بمسيرات تحمل الهوية الإيرانية تقنياً، لتُلصق التهمة مباشرة بطهران، مما يمنح الإدارة الأمريكية الغطاء الشعبي والسياسي الكامل لشن حرب مدمرة، تماماً كما جرى تسويق أسلحة الدمار الشامل قبل غزو العراق.
ثالثاً: تهيئة الرأي العام وتخويف الداخل الأمريكي
يتزامن هذا التطوير العسكري مع تنشيط الأجهزة الاستخباراتية لتقارير وإحاطات إعلامية تتحدث عن:
.1 وجود قطع بحرية وسفن إيرانية بالقرب من السواحل الشرقية للولايات المتحدة.
.2 تحذيرات من وجود خلايا نائمة داخل الأراضي الأمريكية مستعدة للتحرك.
هذه السردية الممنهجة تهدف بوضوح إلى خلق حالة من الذعر والتهديد الوجودي المباشر لدى المواطن الأمريكي، وهو الأسلوب الكلاسيكي ذاته الذي يُعتمد لضمان حشد الدعم الشعبي الأعمى خلف أي قرار رئاسي بشن حرب خارجية واسعة تحت عنوان “الدفاع عن النفس”.
رابعاً: سيناريو التورط الخليجي والرفض الأوروبي
لا يقتصر المخطط المفترض على الجبهة الأمريكية الداخلية فحسب، بل يمتد ليشمل المنطقة العربية وتحديداً منطقة الخليج، حيث ترد أنباء عن استخدام مسيرات تحمل الهوية الإيرانية لضرب أهداف غير أمريكية. ولهذا السبب، دعت طهران دول الخليج إلى تشكيل لجان تحقيق مشتركة، قناعةً منها بأن هذه العمليات تهدف إلى:
تورط دول الخليج في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع إيران.
تجاوز الرفض الأوروبي وقرار حلف شمال الأطلسي (الناتو) القاضي بعدم الانخراط في أي مغامرة عسكرية محتملة لإدارة ترامب ضد إيران.
الخاتمة: هل نحن أمام “11 سبتمبر” بنسخة متطورة؟
إن تقاطع هذه المعطيات — من صفقات التأمين المشبوهة، مروراً بتصنيع مسيرات مطابقة لخصوم واشنطن، وصولاً إلى الحملات الاستخباراتية والإعلامية المكثفة — يشير إلى أن خيار الحرب النفسية وتصنيع الذرائع لم يعد استراتيجية خفية، بل هو مسرح عمليات يُعد بعناية. وسواء أكانت هذه السيناريوهات مقدمة لضربات نووية استراتيجية أو حرب تقليدية شاملة كتلك التي شهدها التاريخ الحديث، فإن المؤكد أن المنطقة والعالم على موعد مع اختبارات قاسية قد تعيد رسم خريطة النفوذ الدولي بأثمان إنسانية واقتصادية باهظة.
د. نبيلة عفيف غصن
