دوامة الفناء الذاتي: الشلل السياسي وتآكل الردع يلتهمان مستقبل الكيان

بقلم: د.نبيلة عفيف غصن

تؤكد التحولات الراهنة في الكيان الإسرائيلي أن الأزمة لم تعد مجرد اضطراب عابر في الدورة السياسية أو تعثر ميداني مؤقت، بل تعبر عن تصدع بنيوي عميق يضرب ركائز النظام في أبعاده الثلاثة: السياسية، والعسكرية، والاجتماعية والاقتصادية.
​لقد تهاوت الهالة التي أحاطت بـ “المؤسسات السيادية” لعقود بوصفها صمام أمان الدولة وجدار حمايتها الصلب، لتتحول إلى مسارح للتنافس الحزبي الضيق واستنزاف موارد البقاء الشامل لصالح المصالح الشخصية للنخب الحاكمة.
​أولاً: التآكل البنيوي للمؤسسة السياسية وأزمة الشرعية والمحاصصة
​لم يعد المشهد السياسي الإسرائيلي محكوماً بتنافس تقليدي بين أحزاب اليمين واليسار، بل تحول إلى حالة من الشلل البنيوي المستعصي الذي يعيد تشكيل مفهوم الحوكمة من الأساس، وتتجلى مظاهره في المحاور الآتية:
​غياب الرؤية الاستراتيجية لصالح البقاء الشخصي: باتت النخب الحاكمة والمعارضة على حد سواء رهينة للحسابات الضيقة، حيث يضحي القادة بالمصلحة العامة وأمن المستوطنين من أجل البقاء في السلطة أو تفادي المحاسبة القانونية.
​تحطم التابوهات على صخرة الواقع: إن لجوء الشارع والناخبين للبحث عن مخرج عبر التنسيق مع القوى العربية أو قبول صيغ غير معتادة، يكشف أن الخطاب الأيديولوجي الصلب للمؤسسة السياسية بات مفككاً وعاجزاً عن تقديم حلول حقيقية.
​فوبيا القيادة وخوف النخب من قواعدها: تظهر حالة “الجبن السياسي” واضحة عندما ترفض القيادات النزول عند رغبة قواعدها الانتخابية (كما في حالة رفض المعارضة الاستناد إلى أصوات ممثلي الداخل الفلسطيني رغم رغبة ثلثي الناخبين)، خوفاً من الابتزاز الإعلامي والمزايدات الشعبوية.
​ثانياً: أزمة المؤسسة العسكرية وتآكل العقيدة وهزيمة الردع
​لطالما اعتبر الجيش المؤسسة المقدسة فوق النقد في الكيان، غير أن الأزمات الأخيرة أسقطت هذه الهالة وكشفت عن أعطاب هيكلية خطيرة:
​فشل عقيدة الأمن القومي: أثبتت التطورات الميدانية المتلاحقة عجز المؤسسة العسكرية عن قراءة المخاطر الاستراتيجية، وتراجع كفاءة منظومة الإنذار المبكر والردع المطلق التي تباهت بها تل أبيب لعقود.
​التجاذبات السياسية داخل القيادة العسكرية: لم تعد المؤسسة بمعزل عن الاستقطاب الحزبي؛ فقد امتدت الانقسامات السياسية لتلقي بظلالها على هيئة الأركان والقيادات الميدانية، مما أدى إلى تباين الرؤى حول خيارات إدارة المعارك والهروب إلى الأمام دون أفق سياسي أو عسكري واضح.
​فقدان الثقة الشعبية: تراجع منسوب الثقة العامة بشكل حاد بين المستوطنين وجيشهم بعد أن تبددت أسطورة “الجيش الذي لا يُهزم”، وتحولت الجبهة الداخلية إلى رهينة لتقديرات عسكرية مضطربة وأداء ميداني يتخبط في رمال الشكوك.
​ثالثاً: التداخل العضوي بين الأزمتين: حلقة مفرغة من الفشل
​إن ما يضاعف من خطورة الأوضاع هو حالة التخادم العكسي بين الإخفاق العسكري والأزمة السياسية؛ فالسياسيون يطوعون القرارات العسكرية لخدمة بقائهم في السلطة، والقيادات العسكرية تعاني من ضغوط سياسية تفقدها الهيمنة والاحترافية. هذا التداخل يضع الكيان في حلقة مفرغة من الفوضى البنيوية، حيث يعجز النظام عن إنتاج استقرار حقيقي أو تجنب الانزلاق نحو مزيد من التصدع الداخلي.
​رابعاً: التداعيات المجتمعية – انقسام الهوية وتفكك الجبهة الداخلية
​تنعكس حالة التآكل السياسي والعسكري بشكل مباشر وملموس على بنية المجتمع الإسرائيلي، حيث أسهم الاستقطاب المستمر وتراجع اليقين الأمني في تعميق أزمتين هيكليتين:
​لم تعد الهجرة من الكيان مجرد مغادرة فردية مؤقتة، بل تحولت إلى موجة استقرار بالخارج ترتبط بشكل مباشر بفقدان الثقة بالاستقرار المستقبلي:
​نزيف المهارات والنخب (Brain Drain): تكشف أحدث بيانات مكتب الإحصاء المركزي ودراسات جامعة تل أبيب عن استمرار مغادرة ما بين 45,000 إلى 50,000 إسرائيلي سنوياً لفترات طويلة أو دائمة. تتركز هذه الموجة لدى الفئات الأكاديمية، والأطباء، ومهندسي قطاع التقنية العالية (High-Tech)، مما يشكل تهديداً كبيراً لركائز الاقتصاد الإسرائيلي.
​تراجع صافي ميزان الهجرة: تراجع الإقبال على “الهجرة اليهودية” (Aliyah) إلى الداخل بشكل ملموس، وانخفض صافي القادمين الجدد مقارنة بالأعداد المغادرة، مما خلق صافي ميزان هجرة سلبياً وضغطاً على النمو الديموغرافي الإجمالي.
​البحث عن الأمن الشخصي والأفق السياسي: يبرر المغادرون قراراتهم بغياب الأفق لاستقرار سياسي، والضغط الاقتصادي المتزايد، بالإضافة إلى الشعور بأن المؤسسة الحاكمة تضحي بالأمن الشخصي للمواطنين لصالح اعتبارات ائتلافية ضيقة.

​على مستوى التماسك الاجتماعي والمدني، أدت الأزمات المتتالية إلى تفكيك مفهوم “الائتلاف الوطني” وتعميق الفجوات بين مكونات المجتمع الإسرائيلي:
​انهيار “العقد الاجتماعي” بين الشارع والمؤسسة: تسببت الأزمات السياسية والعسكرية في تآكل الشعور بالتكافل؛ فبينما يُطلب من جمهور الاحتياط والطبقات العاملة تحمل أعباء الخدمة العسكرية المتواصلة والضغوط الاقتصادية، تتزايد الاستثناءات الممنوحة لكتل دينية وسياسية، مما يدعم الشعور بالظلم وعدم المساواة.
​الانقسام الهويتي الحاد: اتسع الشرخ بين التيارين “العلماني/الوسطي” والتكتلات “اليمينية/الحريدية”. باتت كل جهة ترى في الطرف الآخر خطراً وجودياً على مستقبل الكيان وشكله، مما أضعف مرونة المجتمع في مواجهة التحديات الخارجية.
​أزمة الثقة بالقيادات السياسية والأمنية: يعكس الشارع الإسرائيلي حالة من الشك التام تجاه النوايا القيادية، حيث تسود سردية أن القرارات السياسية والعسكرية باتت تخضع لابتزاز البقاء الائتلافي بدلاً من المصلحة الوطنية الشاملة.
​خامساً: اقتصاديات هجرة النخب وتقويض قطاع التقنية العالية
​تُعد ظاهرة هجرة الكفاءات والعقول (Brain Drain) واقتصاديات هجرة النخب من أبرز التحديات الهيكلية التي تهدد مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي على المدى الطويل. فعلى الرغم من أن قطاع التقنية العالية (High-Tech) يُمثل عصب النمو الاقتصادي ويساهم بنسبة ضخمة من الناتج المحلي الإجمالي والصادرات، إلا أن تسارع وتيرة مغادرة الأدمغة والشركات نحو الخارج يفرز تداعيات مالية واقتصادية بالغة الخطورة تتجسد في الأبعاد الآتية:
.1 ​تقويض شريان الحياة للاقتصاد (قطاع التقنية العالية والابتكار): يُشكل قطاع التقنية العالية القاطرة الأساسية للاقتصاد الإسرائيلي (حيث يُسهم بالجزء الأكبر من الصادرات ونمو الناتج المحلي). وتؤدي هجرة المهندسين، والمطورين، والباحثين العلميين إلى فقدان الميزة التنافسية (“دولة الشركات الناشئة”)؛ إذ إن تحول الشركات التقنية الكبرى ورياديي الأعمال نحو نقل مراكز البحث والتطوير (R&D) والوظائف الإدارية العليا إلى الخارج (لا سيما الولايات المتحدة وأوروبا) يضعف القاعدة الابتكارية محلياً، يرافق ذلك تراجع في تدفق الاستثمارات وصناديق الاستثمار الجريء، مما يقلل من فرص تمويل الشركات الناشئة المحلية في مراحلها المبكرة.
.2 ​تآكل القاعدة الضريبية وعجز الموازنة العامة: تعتمد الخزينة العامة الإسرائيلية بشكل كبير على الضرائب مرتفعة القيمة التي تسددها فئات النخب والكفاءات العالية (خصوصاً العاملين في قطاع التكنولوجيا المتقدمة والطب والخدمات المالية). وترتب على هجرة هذه الفئات عجز هيكلي مزمن يتمثل في انخفاض حاد في الإيرادات الضريبية المباشرة وغير المباشرة. ولتعويض هذا النقص، تُجبر الحكومات غالباً على رفع الضرائب أو تقليص الخدمات العامة، مما يدفع بالمزيد من الكفاءات المتبقية للتفكير في الهجرة في حلقة مفرغة تُعرف اقتصادياً بـ “دوامة التراجع المالي”.
.3 ​تراجع الإنتاجية وزيادة تكلفة المعيشة: تتميز العقول المهاجرة عادة بارتفاع إنتاجيتها ومساهمتها الكبرى في الناتج القومي الفردي، ومغادرتها تترك فراغاً لا يمكن تعويضه بسهولة بالعمالة المحلية التقليدية. ويؤدي نقص الكوادر المؤهلة في القطاعات الحيوية (كالطبيعيين، الأكاديميين، والمتخصصين في التقنيات الدقيقة) إلى ارتفاع تكلفة الخدمات العامة والخاصة، وتراجع كفاءة القطاعات الحيوية مثل الرعاية الصحية والتعليم العالي.
.4 ​خلل ميزان الهجرة وانكماش القوة العاملة المنتجة: تشير البيانات والبحوث السكانية (مثل دراسات جامعة تل أبيب ومكتب الإحصاء المركزي) إلى تراجع حاد في أعداد العائدين وانخفاض صافي استقطاب المهاجرين الجدد المؤهلين (Aliyah)، بالتوازي مع ارتفاع أعداد المغادرين لفترات طويلة. هذا الخلل الديموغرافي يؤدي إلى ارتفاع نسبة الإعالة الاقتصادية (تزايد أعداد الفئات غير العاملة مقارنة بالفئة المنتجة التي تدفع الضرائب وتمول ميزانية الدولة والأمن)، فضلاً عن إحداث تأثيرات عكسية على الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)؛ فالشركات العالمية الكبرى التي تفتح فروعاً لها في إسرائيل تعتمد كلياً على وفرة العقول الماهرة، وبمجرد هجرة هذه الكفاءات، تفقد البيئة الاستثمارية جاذبيتها لصالح أسواق إقليمية ودولية أخرى أكثر استقراراً.
​تجمع التقارير الاقتصادية واستطلاعات الرأي على أن خطر “هجرة العقول” لا يظهر بكامل تأثيره بين عشية وضحاها، بل يتسلل ببطء ليُفرغ الاقتصاد الإسرائيلي من مقومات تفوقه النوعي.
إن التفاعلات الراهنة تظهر سلسلة من التداعيات المتسلسلة: فالتآكل العسكري والسياسي يغذي الهجرة العكسية لنخب المجتمع واقتصاده، وهو ما يضعف بدوره القدرة الإنتاجية والعسكرية للكيان، في حين يتسبب الاستقطاب الداخلي في شل قدرة الجبهة الداخلية على الصمود أمام الأزمات طويلة الأمد.

وإذا استمرت هذه المؤشرات في التصاعد فإنها تنذر بتحول الكيان تدريجياً من اقتصاد معرفي متقدم إلى اقتصاد يعاني من الشيخوخة البنيوية وضعف النمو المستدام.