مع إعادة تشكيل الخريطة السياسية بعد الانتخابات النصفية، يسعى الديمقراطيون في الكونغرس إلى استخدام قانون الإنفاق الفيدرالي الذي يجب إقراره قبل نهاية العام كأداة ضغط لقطع تمويل العمليات العسكرية لإدارة ترامب ضد إيران، وذلك قبل توليهم الرسمي للكونغرس في يناير. وتضع هذه الاستراتيجية  يوم 11 ديسمبر/كانون الأول موعداً للمواجهة، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى حافة الإغلاق الحكومي، ويتجاوز حدود السياسة الخارجية ليمس جوهر الصراع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.


مقامرة في فترة الانتقال: الديمقراطيون يحاولون قطع تمويل حرب إيران

مع اقتراب الجمهوريين من فقدان أغلبيتهم في الكونغرس في يناير/كانون الثاني المقبل، يواجه الديمقراطيون، الذين سيطرون قريباً على الأغلبية، خياراً استراتيجياً عاجلاً: هل ينتظرون حتى يناير/كانون الثاني عندما تكون السلطة في أيديهم ليتصرفوا بارتياح، أم يستغلون آخر نافذة تشريعية إلزامية قبل نهاية العام — وهي قانون الإنفاق الفيدرالي — لوقف العمليات العسكرية للرئيس ترامب في إيران بالقوة؟

ووفقاً لما نشرته صحيفة “بوليتيكو” (Politico)، فإن الموعد الحاسم في هذه المعركة يقترب بسرعة. إذ يجب على المشرّعين إقرار مشروع قانون تمويل جديد قبل منتصف ديسمبر/كانون الأول (حيث أشار التقرير إلى أن الحادي عشر من الشهر هو نقطة حساسة) لتجنب توقف الحكومة الفيدرالية بسبب نفاد الأموال. وبالنسبة لبعض الديمقراطيين المتشددين، فإن هذه ليست مجرد إجراءات ضرورية لاستمرار عمل الحكومة، بل هي أيضاً ورقة ضغط مثالية لإجبار البيت الأبيض على تغيير سياسته تجاه إيران.

ضغط القاعدة الشعبية وحذر القيادة

أعلنت النائبة روزا ديلاورو (Rosa DeLauro)، العضو البارز في لجنة الاعتمادات بمجلس النواب، موقفها بوضوح، مؤكدة أنها ستستخدم سلطة الاعتمادات للاعتراض بلا هوادة. وقالت في تصريح لـ”بوليتيكو”: “لن يمول الديمقراطيون أبداً حرب ترامب الاختيارية في إيران، وهي حرب زادت تكاليف الأسر الأمريكية وجعلتنا أقل أماناً”. وقد وجد هذا الموقف صدىً في مجلس الشيوخ أيضاً. إذ أرجع السيناتور باتي موراي (Patty Murray)، نائبة رئيس لجنة الاعتمادات، الأداء القوي للديمقراطيين في الانتخابات النصفية إلى استياء الناخبين من الصراع مع إيران، وتعهدت بـ”فحص كل الأدوات المتاحة لدينا” لإنهاء هذه “الحرب الكارثية”.

غير أن موقف القيادات الديمقراطية في الكونغرس يبدو أكثر دقة وتحفظاً. فزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (Hakeem Jeffries)، رغم تأكيده أن نتائج الانتخابات تُظهر بوضوح مطالب الشعب بإنهاء الحرب، اكتفى بالقول إنه سيجري “حواراً قيادياً” مع ديلاورو، دون أن يلتزم صراحةً بجعل قطع التمويل إنذاراً نهائياً. وبالمثل، ظل زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (Chuck Schumer) حذراً، مكتفياً بالقول إنه يعمل مع موراي لضمان “إنجاز بعض الأمور” قبل موعد الإغلاق الحكومي، لكنه رفض التكهن بما إذا كان سيطلب قطع تمويل الحرب.

هجوم التقدميين والمخاطر السياسية

في ظل تردد القيادة، تدفع القوى التقدمية داخل الحزب نحو مسار أكثر تشدداً. إذ يحث النائب رو خانا (Ro Khanna) وحاكم إلينوي جي. بي. بريتزكر (J.B. Pritzker) وآخرون زملاءهم على تبني موقف أكثر جذرية. ويعكس هذا الضغط الداخلي المطلب الملح لقاعدة الحزب الديمقراطي بإنهاء التدخل العسكري في الشرق الأوسط.

غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر سياسية كبيرة. فقد أشار المحللون إلى أنه إذا أصرّ الديمقراطيون على ربط تمويل حرب إيران بتمويل الحكومة وأدّى ذلك إلى طريق مسدود، فقد يتسبب في إغلاق حكومي يمتد إلى العام الجديد. ولن يطمس ذلك الزخم السياسي الذي سيحظى به الديمقراطيون عند توليهم السلطة رسمياً فحسب، بل قد يجعل الرأي العام يحمّلهم مسؤولية تعطل عمل الحكومة. وكما قال أحد أعضاء لجنة الاعتمادات الديمقراطية في مجلس النواب، طالباً عدم الكشف عن هويته: رغم الحاجة إلى إيجاد طريقة لإنهاء الحرب، فإن القول المباشر “لا تمويل” ليس بلا مخاطر، ولا يزال هناك شك داخل الحزب حول ما إذا كان ينبغي إطلاق شرارة الإغلاق الحكومي.

الخلفية والدوافع العميقة

تأتي هذه المواجهة حول التمويل في ظل النهج العسكري المتشدد الذي تبنته إدارة ترامب مؤخراً تجاه إيران. فقد سبق أن شنّت الولايات المتحدة ضربات على منشآت نووية إيرانية، وحذّر ترامب في لقاء  مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو من أن الولايات المتحدة ستوجه “ضربة قاسية” أخرى إذا حاولت إيران إعادة بناء قوتها العسكرية. وقد دفعت هذه السياسة المستمرة على حافة المواجهة العسكرية بعض الديمقراطيين إلى الاعتقاد بضرورة وضع عوائق عند مصدر التمويل، لمنع السلطة التنفيذية من جرّ البلاد إلى صراع أعمق دون تفويض صريح من الكونغرس.

وإلى جانب ذلك، تحمل هذه الاستراتيجية التشريعية دلالة سياسية رمزية واضحة. إذ يحاول الديمقراطيون بهذه الخطوة الوفاء بتعهداتهم للناخبين بـ”إنهاء الحرب”، وتثبيت قدرتهم على موازنة السياسة الخارجية قبل توليهم السيطرة على الكونغرس رسمياً في يناير/كانون الثاني. لكن الحساب السياسي الواقعي أكثر تعقيداً: ففي الفترة الانتقالية التي لا يزال الجمهوريون يسيطرون فيها على أغلبية مجلس النواب، من الصعب جداً تمرير أي مشروع قانون إنفاق مشروط في مجلس يسيطر عليه الجمهوريون، مما يجعل ضغط الديمقراطيين أقرب إلى استعراض موجّه للرأي العام والأجندة السياسية المستقبلية.


مع اقتراب موعد ديسمبر/كانون الأول، يقف الديمقراطيون عند مفترق طرق. فهل يختارون آلام الإغلاق الحكومي للوفاء بتعهداتهم المناهضة للحرب، أم يحتفظون برأس مالهم السياسي وينتظرون توليهم السلطة رسمياً في يناير/كانون الثاني لممارسة موازنة أكثر منهجية؟ سيختبر ذلك الحكمة السياسية لقيادة الحزب. وأياً كانت النتيجة، فقد تحولت مسألة تمويل حرب إيران من مجرد خلاف في السياسة الخارجية إلى نقطة تلاقي حادة بين السياسة المالية الداخلية والسياسة الانتخابية في الولايات المتحدة.