في بيان مقتضب لكنه ثقيل الدلالات، أعلن الإعلام الحربي اليمني، الجمعة، عن عملية عسكرية نفذتها القوات المسلحة في سلسلة جبال كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، أسفرت عن “طرد تحشيدات سعودية” من مواقع عدة، والاشتباك معها من مسافة صفر، وتكبيدها خسائر بشرية ومادية، إضافة إلى أسر عدد من عناصرها . غير أن ما يمنح هذا الخبر ثقله الحقيقي ليس مجرد السيطرة على مرتفعات جديدة، بل التفاصيل التي أوردها البيان عن مصير “أربعة ألوية من قوات العمالقة” كانت متمركزة هناك بقيادة ضابط سعودي، وعن غارات “الطيران السعودي” التي استهدفت تلك القوات أثناء انسحابها، فأوقعت فيها قتلى “بأعداد كبيرة” .

هذه التفاصيل، إذا ما أُخذت في سياقها الجغرافي والعسكري الأوسع، لا تصف مجرد اشتباك حدودي أو مناورة تكتيكية، بل تكشف عن تحول في موازين القوة على أحد أخطر الممرات المائية في العالم. فجبال كهبوب، الواقعة في مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، ليست مجرد سلسلة جبلية وعرة؛ إنها “حصن” طبيعي يطل مباشرة على مضيق باب المندب وجزيرة ميون، ويبعد عنها أقل من أربعين كيلومتراً، ما يجعلها منصة نارية ونقطة مراقبة استراتيجية تتحكم في الحركة الملاحية بين البحر الأحمر وخليج عدن . ومن هنا، فإن السيطرة على المواقع “الحاكمة والمشرفة” في هذه الجبال، كما أعلن البيان، تعني عملياً أن القوات المسلحة اليمنية باتت تمسك بمفاتيح التهديد المباشر لخطوط الإمداد البحرية، وقادرة على جعل أي تمركز عسكري في السهول الساحلية المحيطة (ذباب والمضاربة) مكشوفاً تماماً .

لكن الأخطر في المشهد هو ما جرى لقوات “العمالقة” التي حشدتها الرياض. فهذه القوات، التي تُوصف بأنها من أبرز التشكيلات المدعومة سعودياً على الساحل الغربي، وجدت نفسها وفق الرواية اليمنية محاصرة في تضاريس وعرة، ثم اضطرت إلى الانسحاب، لتكون الضربة القاضية من الطيران السعودي نفسه الذي غطى انسحابها بقنابل أودت بحياة “عدد كبير” من عناصرها . وسواء قُصد هذا القصف أم جاء نتيجة خطأ في التنسيق، فإن النتيجة واحدة: تحوّل “التحشيد” إلى “مأزق”، وانقلاب الغطاء الجوي إلى عامل استنزاف إضافي. وتأتي هذه الصورة لتتناقض بشكل صارخ مع الروايات المضادة التي كانت تتحدث قبل أسابيع فقط عن “صد هجوم واسع” وإحباط تقدم في جبهة كهبوب ، ما يعكس حرباً إعلامية موازية تعكس بدورها أهمية هذه الجبهة.

استراتيجياً، تندرج هذه العملية في سياق أوسع من التراجع التدريجي لخيارات الرياض في اليمن. فالسعودية، التي راهنت على تشكيلات محلية مثل “العمالقة” و”درع الوطن” لتغيير موازين القوة على الأرض دون انخراط مباشر وكبير لقواتها، تجد هذه الأدوات نفسها عرضة للاستنزاف والاختراق، بل ومهددة بالاستهداف من قبل طيرانها في لحظات الانهيار . وفي المقابل، تثبت القوات المسلحة اليمنية قدرتها على تنفيذ عمليات هجومية معقدة من محورين، والاقتراب من مسافة صفر من قوات مدعومة جواً وتقنياً، ثم فرض وقائع جديدة على الأرض في منطقة تُعد بوابة استراتيجية لا يمكن تجاوزها .

إن السيطرة على المرتفعات المطلة على باب المندب لا تعني بالضرورة إغلاق المضيق، لكنها تعني بلا شك أن أي حساب عسكري أو سياسي مستقبلي في اليمن، وأي حديث عن أمن الملاحة الدولية في هذا الممر الحيوي، سيضطر إلى أن يأخذ في الاعتبار من يمسك بتلك القمم. وبالنسبة للرياض، فإن مشهد قواتها غير المباشرة وهي تنسحب تحت وابل من نيران طيرانها، بعد أن فشلت في تثبيت مواقعها، ليس مجرد انتكاسة تكتيكية، بل مؤشر على مأزق أعمق: تحالف هش على الأرض، وتضاريس تبتلع التحشيدات، وخصم يثبت كل يوم أنه تعلم كيف يحوّل الجغرافيا إلى سلاح.