لم يعد الكيان الصهيوني يواجه مجرد تراجع في الدعم الأمريكي، بل انقلاباً كاملاً في المعادلة: فبعد عقود كان يُنظر فيها إليه كحليف استراتيجي يخدم المصالح الأمريكية في غرب آسيا، أصبح اليوم عبئاً يثقل كاهل واشنطن نفسها. كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون، ولوبي صهيوني فقد سلاح المال، ونائب رئيس أمريكي يعترف بأن الكيان الصهيوني كان أحد أسباب الهزيمة الانتخابية. وفي الوقت نفسه، يقف الكنيست عاجزاً عن إنتاج حكومة. إنها لحظة نادرة يتقاطع فيها ثقل العبء الذي يحمله الكيان لراعيه الأمريكي مع حدة الانقسام في داخله، ويتحول فيها من “حليف استراتيجي” إلى “عبء انتخابي” في واشنطن، ومن واحة ديمقراطية مزعومة إلى كيان بلا غالب ولا مغلوب في تل أبيب.

واشنطن: نهاية الدعم ثنائي الحزبين وموت المال السياسي

كان يُنظر إلى الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني على مدى عقود كـ”إجماع ثنائي الحزبين” يتجاوز الانقسامات الحزبية، تدعمه شبكة من اللجان السياسية على رأسها اللجنة الأمريكية الصهيونية للشؤون العامة (AIPAC). لكن انتخابات 2026 نسفت هذا الأساس من ثلاث جهات متزامنة.

أولاً، سقط الحصن التشريعي. بعد أن كان الجمهوريون يسيطرون على الكونغرس ويوفرون غطاءً سياسياً شبه غير مشروط للحكومة الصهيونية، أصبح الديمقراطيون الآن يمسكون بزمام السلطة التشريعية: 54 مقعداً في مجلس الشيوخ بعد قلب مقاعد جمهورية في تكساس وكانساس وآيوا وأوهايو، وأكثر من 224 مقعداً في مجلس النواب. وهذا يعني أن المساعدات العسكرية السنوية البالغة حوالي 3.8 مليار دولار تواجه لأول مرة رقابة صارمة وتهديداً حقيقياً بالقطع، خاصة مع صعود جيل جديد من النواب الديمقراطيين يتبنى مواقف أكثر انتقاداً تجاه الكيان الصهيوني، ويرى فيه عبئاً على الميزانية الأمريكية وسياساتها الخارجية.

ثانياً، انكسر سلاح المال. شهدت هذه الانتخابات أسوأ أداء لـ AIPAC منذ سنوات. أنفقت لجانها السياسية حوالي 84.1 مليون دولار، لكن 55.3 مليون دولار (نحو الثلثين) ذهبت إلى مرشحين خسروا. في ميشيغان، أنفقت 31.47 مليون دولار لمحاولة إسقاط عبد السيد، ففاز وقال في خطاب النصر: “شكراً لـ AIPAC التي أنفقت 42 مليون دولار ضدي، لمنحي فرصة هزيمتكم مرتين”. وفي إلينوي، أنفقت 6.31 مليون دولار ضد دانيال بيس، ففاز بأغلبية 75%. للمقارنة، كانت نسبة أموال AIPAC التي تذهب إلى فائزين 69% في 2022 و87% في 2024. بعد الانتخابات، ظلت قنوات AIPAC صامتة ليومين، ولم تنشر سوى رسالة تهنئة متأخرة، بينما بدأ بعض المرشحين يعتبرون تأييدها “علامة على الموت السياسي”. وهكذا تحول المال الذي كان يُفترض أن يشتري النفوذ إلى دليل على عجز اللوبي الصهيوني عن حماية حليفه.

ثالثاً، اعترف البيت الأبيض نفسه بأن الكيان أصبح عبئاً. بعد يوم من الانتخابات، نشر نائب الرئيس فانس رسالة على منصة X، مستشهداً ببيانات استطلاعات رأي، قائلاً إن الناخبين الذين دعموا ترامب في 2024 ثم تحولوا إلى الديمقراطيين في 2026 كانت مطالبهم الأساسية أربعة: إنهاء الحرب، التركيز على تكاليف المعيشة، أمريكا أولاً، تغيير العلاقة مع الكيان الصهيوني. اثنان من هذه الأربعة مرتبطان مباشرة بالكيان الصهيوني: حرب إيران التي شنّتها واشنطن وتل أبيب معاً في فبراير 2026، والتي اعتبرها 63% من الناخبين قراراً خاطئاً و74% عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم، بعد أن رفع الحصار الإيراني لمضيق هرمز أسعار الوقود وفاقم أزمة المعيشة؛ والتغيير المطلوب في العلاقة مع الكيان الصهيوني، حيث بدأ الناخبون يعاقبون المرشحين المدعومين من AIPAC بسبب الانحياز غير المشروط. قال فانس: “إذا أردتم القول إن هذه الحرب كانت تستحق، وأن خسارة مجلس الشيوخ لمدة 6 سنوات كانت تستحق، فعليكم تقديم الحجة”. كما يحاول فانس نفسه، استعداداً لترشيحه في 2028، إظهار مسافة بينه وبين سياسات ترامب الخارجية غير الشعبية. وهكذا لم يعد الكيان الصهيوني مجرد حليف مكلف، بل تحول إلى سبب مباشر في خسائر انتخابية داخل أمريكا نفسها.

تل أبيب: الكنيست بلا غالب ولا مغلوب

في الوقت الذي يثقل فيه الكيان كاهل راعيه الأمريكي، يعاني داخلياً من انقسام وشلل سياسي نادر. أظهرت نتائج انتخابات الكنيست أن معسكر نتنياهو حصل على 53 مقعداً، ومعسكر المعارضة بقيادة غادي إيزنكوت على 48 مقعداً، ولم يبلغ أي منهما الحد الأدنى من 61 مقعداً. بينما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعداً، وهو رقم قياسي، وأصبحت القوة الحاسمة. إذا حصل إيزنكوت على دعمها، فإن 67 مقعداً تكفي لتشكيل الحكومة، لكن ذلك يتطلب كسر محظورات تاريخية. بينما يدعو نتنياهو إلى “حكومة وحدة وطنية واسعة”، ترفض المعارضة الانضمام إليه. الرئيس هرتسوغ يضغط من أجل تسوية، محذراً من أن الكيان الصهيوني لا يستطيع تحمل جولة انتخابات أخرى، لكنه يعترف بأن “لا يوجد فائز واضح”.

التقاطع: عبء في الخارج وانفجار في الداخل

الأمر الأكثر خطورة هو أن الأزمتين تعزز كل منهما الأخرى. فالكيان الصهيوني الذي كان يُفترض أن يكون رصيداً استراتيجياً لأمريكا، أصبح اليوم عبئاً يستهلك مساعداتها العسكرية، ويورطها في حروب غير شعبية، ويُسقط مرشحيها المدعومين في صناديق الاقتراع. وحكومة نتنياهو المؤقتة تفتقر إلى الشرعية الكافية للتوصل إلى تسوية مع إدارة ترامب بشأن إيران أو فلسطين، بينما تجعل نتائج الانتخابات الأمريكية أي حكومة صهيونية جديدة تواجه بيئة خارجية أكثر برودة. وفي الداخل، أصبح الائتلاف الحكومي المستقبلي محكوماً بأحزاب عربية لم تكن في السابق ضمن خيارات صنع القرار. وبينما يستعد فانس للترشح في 2028 عبر إظهار مسافة عن سياسات ترامب الخارجية، يجد الكيان الصهيوني نفسه بلا حماية جمهورية في الكونغرس، وبلا فعالية للمال الصهيوني في صناديق الاقتراع، وبلا غالبية برلمانية في الكنيست.

لم يعد شعار “القضاء على التهديد الإيراني” قادراً على إخفاء الحقيقة: الكيان الصهيوني لم يعد حليفاً استراتيجياً لأمريكا، بل أصبح عبئاً عليها — عبئاً يثقل ميزانيتها، ويحرج سياستها الخارجية، ويُسقط مرشحيها. وفي الوقت نفسه، يواجه انقساماً داخلياً يغلقه عن إنتاج حكومة. وحين يثقل العبء في الخارج وينفجر الانقسام في الداخل في آن واحد، فإن السؤال لم يعد “متى يستعيد الكيان الصهيوني موقعه كحليف؟” بل “هل ما زال هناك من يريد تحمّل هذا العبء؟”