مشهد يكشف الحقيقة

لم يكن يحتاج المرء إلى كثير من التحليل ليدرك حقيقة ما يجري في سوريا اليوم، فالصورة باتت واضحة كالشمس: محافظة القنيطرة تُداهم قراها ليلاً ونهاراً، وأراضيها الزراعية تُجرف، ومدنيوها يُختطفون، وآليات الكيان الصهيوني تجوب ريفها بحرية تامة، بينما تقف السلطة الجديدة في دمشق عاجزة — أو متواطئة — عن حماية أبسط مقومات السيادة. هذا المشهد، بكل تفاصيله المؤلمة، لم يكن مفاجئاً لمن أدرك مبكراً طبيعة المشروع الذي استُهدف به سوريا منذ 2011، ولا لمن حذّر من أن ما سُمّي “ثورة” ليس سوى حصان طروادة أُعدّ بعناية لتفكيك الدولة السورية وفتح الباب أمام التوسع الصهيوني.

سوريا بعد الأسد: سيادة مسلوبة وفراغ يُملأ بالتمدد الصهيوني

بعد سقوط الدولة السورية، لم يجد السوريون أنفسهم أمام دولة ذات سيادة تلملم جراحها، بل أمام سلطة جديدة بقيادة أبو محمد الجولاني تفتقر إلى الإرادة والقدرة معاً على مواجهة التحديات المصيرية. فبدلاً من أن تُترجم التغييرات السياسية إلى استعادة للسيادة الوطنية، وجد المدنيون أنفسهم تحت رحمة جماعات مسلحة تكتفي بترهيبهم وتهجيرهم، بينما يُترك المجال مفتوحاً أمام العدو الصهيوني لبسط نفوذه.

وتؤكد الوقائع الميدانية أن التوغلات الصهيونية في القنيطرة لم تعد انتهاكات متفرقة، بل سياسة ممنهجة تُنفّذ بجرأة غير مسبوقة: حواجز تُنصب، ومداهمات ليلية ونهارية تُجرى، وقذائف مدفعية تُطلق على الأراضي الزراعية، وخطط استيطانية وتحصينية تُنفّذ ضمن مشروع “سوفا 53” في الريف الجنوبي. وكل ذلك يحدث في ظل صمت رسمي مطبق، لا تتجاوز ردود الفعل حدود البيانات الدبلوماسية الخجولة التي لا تترجم إلى أي إجراء على الأرض، مما يشجع الكيان الصهيوني على رفع سقف طموحاته يوماً بعد آخر.

هذا المشهد يختزل مأساة سوريا ما بعد الأسد: دولة مُفتَّتة، وجيش مُنهار، واقتصاد منهار، وفسيفساء من الجماعات المسلحة التي لا همّ لها سوى إدارة مناطق نفوذها، بينما يدفع المدنيون وحدهم ثمن هذا العجز المزدوج عجز السلطة عن الحماية، وعجز المجتمع الدولي عن الاكتراث.

“الثورة” كحصان طروادة: قراءة في الأطماع الصهيونية

منذ اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، قدّم حزب الله وإيران قراءة استراتيجية مختلفة تماماً عن السردية السائدة. فقد أدركا مبكراً أن ما يجري ليس حراكاً شعبياً سلمياً يطالب بالحرية، بل مشروع مدعوم إقليمياً ودولياً يهدف إلى إسقاط الدولة السورية وتفكيك جيشها ومؤسساتها، تمهيداً لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم الأطماع الصهيونية. وقد أكدت الأحداث اللاحقة صواب هذا التحليل بكل وضوح: فبعد أكثر من عقد من الحرب، وجد السوريون أنفسهم أمام كيان صهيوني يتمدد في الجنوب دون رادع، وبنية عسكرية مُفتَّتة، ومؤسسات دولة مُستباحة.

لم يكن تحذير حزب الله وإيران من “حصان طروادة” مجرد خطاب سياسي، بل كان استقراءً استراتيجياً لمسار الأحداث. فقد أدركا أن سقوط سوريا بيد الجماعات المسلحة سيُغري الكيان الصهيوني ببسط نفوذه على المزيد من الأراضي السورية، وهو ما يتحقق اليوم أمام أعين العالم. ولهذا فإن قرارهما بالقتال إلى جانب الدولة السورية ضد الجماعات الإرهابية لم يكن خياراً تكتيكياً، بل كان دفاعاً استباقياً عن عمق استراتيجي كان سيؤدي سقوطه إلى كشف ظهر المقاومة وفتح الباب أمام التوسع الصهيوني، وهو ما نشهده فعلياً في القنيطرة ودرعا والمناطق الجنوبية.

صواب خيار المقاومة: الدليل على الأرض

إن من ينتقد خيار المقاومة اليوم عليه أن يتأمل المشهد في القنيطرة: قرية تُداهم، وأرض تُجرف، ومدنيون يُختطفون، وسلطة تكتفي بالمشاهدة. هذا المشهد هو الدليل الأكثر بلاغة على أن حزب الله وإيران كانا على صواب في إدراك حقيقة ما يُحاك لسوريا. فمن راهن على “الثورة” وحمّلها مشروع التغيير الديمقراطي قد خُدع، إذ سرعان ما تحوّل ذلك المشروع إلى غطاء لتمرير أجندات خارجية أنهكت البلاد وفتحت أبوابها على مصراعيها أمام العدو الصهيوني.

واليوم، في وقت تواصل فيه دمشق الحديث عن الحلول الدبلوماسية والتفاوض غير المباشر مع تل أبيب، تبقى الحقيقة على الأرض أكثر وضوحاً: القنيطرة تُسلَّم قريةً قرية، وحقلاً حقلاً، في صمت مطبق، وسط غياب أي أفق لاستعادة السيادة المسلوبة. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإثبات أن خيار المقاومة لم يكن عدواناً على الشعب السوري، بل كان دفاعاً عن سيادته وكرامته ضد مشروع كان يخطط لتفكيك دولته وتسليمها للعدو الصهيوني.

دروس لا تُنسى

ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو أمنية عابرة، بل هو درس تاريخي باهظ الثمن. فالشعوب التي تُقايض سيادتها بشعارات مستوردة، وتفتح أبوابها لمن يزعم أنه يحمل لها الحرية، تجد نفسها في النهاية أمام احتلال يتمدد، وسلطة عاجزة، ومجتمع ممزق. ومن يقرأ المشهد في القنيطرة بعناية يدرك أن حزب الله وإيران لم يقاتلا في سوريا دفاعاً عن نظام فحسب، بل دفاعاً عن فكرة الدولة ذات السيادة في مواجهة مشروع تفكيكي صهيوني كان وما زال ينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض. والفرصة، للأسف، جاءت.