امتحان المشروع التوراتي… ما حدث أكبر من أزمة حكومة
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
لا تكفي قراءة الانتخابات الإسرائيلية بوصفها منافسة بين قادة صهاينة يرفضون الحقوق الفلسطينية، وشاركوا في حروب المنطقة ومذابحها. فهذا المشترك لا يلغي أنهم أطراف الانقسام الحاد الذي كاد يشعل حربا اهلية في اسرائيل قبل الطوفان، ولا يخفي التصادم البنيوي بين المشاريع التي يحملونها لمستقبل الدولة، ولا يجعل نتائج صراعهم متساوية في أثرها التاريخي. السؤال الأهم يتعلق بمصير المحاولة التي قادها ائتلاف نتنياهو لإعادة تشكيل إسرائيل، وبقدرة أصحابها على قبول انحسار تفويضهم. ومن هنا تصبح أزمة الحكومة تعبيراً عن أزمة أعمق: أي إسرائيل تستطيع الاستمرار، وبأي قواعد، وتحت قيادة أي مشروع؟
حصل تحالف نتنياهو عام 2022 على أربعة وستين مقعداً، ودخل الحكم بأكثرية تتيح تنفيذ برنامجه. وبعد اربعة سنوات من الاحتجاجات والحروب، عاد لطلب تجديد التفويض، بما يتيح قياس النجاح والفشل، فأظهرت نتائج الفرز حصوله مع حلفائه وشركائه في المشروع على ثلاثة وخمسين مقعداً، ورغم التركيز على تقدم التحالف على المعارضة، يبقى الأهم أنه يعجز عن استعادة أكثرية الحكم. والنتيجة تعني أن المشروع الذي امتلك تفويضاً بالتنفيذ لم يحصل على تفويض بمواصلة المسار نفسه، مهما بقيت لنتنياهو فرص للمناورة والبقاء.
نتنياهو شريك في قيادة هذا المشروع، لكنه لم يبدأ مسيرته ممثلاً له. حكم سنوات ضمن قواعد إسرائيل التقليدية، ثم وجد في صعود اليمين الديني والاستيطاني، وتحالفه مع الحريديم، قاعدة لاستمرار سلطته وتجسيدا لأفكر كان يؤمن بها. جمع الائتلاف مطالب مختلفة: حماية امتيازات المؤسسات الحريدية، وتوسيع مشروع الضم والاستيطان، وإضعاف القيود القضائية، وتأمين بقاء نتنياهو. ومن التقاء هذه المصالح نشأت محاولة لتغيير الدولة، تجاوزت توزيع الوزارات إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والقضاء والجيش والدين والمجتمع.
لم تكن إسرائيل التي بناها المؤسسون علمانية خالصة؛ استندت إلى الهوية اليهودية، ووظفت الرواية الدينية، ومارست الاقتلاع والاستيطان. لكنها قامت بقيادة غالبة تنظر إلى الدولة باعتبارها أداة قومية، تحسب علاقاتها الدولية وقدرات اقتصادها وحدود قوتها، وتعرف نفسها كدولة لليهود لا كدولة يهودية دينية. أما المشروع التوراتي الصاعد، فيميل إلى اعتبار الدولة أداة لتحقيق وعد ديني، تصبح الأرض بموجبه خارج التسوية، والتوسع واجباً، والقيود القانونية عقبات ينبغي إزالتها. هنا معنى التمييز بين دولة لليهود ودولة تحكم المرجعية الدينية وجهتها وقرارها.
لهذا انفجر الداخل عام 2023، قبل طوفان الأقصى. كانت التعديلات القضائية المفجّر المباشر، لكنها كشفت خلافات أعمق حول هوية الدولة، والتجنيد وتقاسم الأعباء، والتعليم والمال العام والحريات. دخلت قطاعات الاحتياط والتكنولوجيا والجامعات ورجال الأعمال والفنانون في المواجهة، لأنها شعرت بأن الائتلاف يستخدم اكثريته لتغيير قواعد الشراكة نفسها. لذلك لا يمكن تفسير الاحتجاجات بخصومة شخصية مع نتنياهو، ولا افتراض زوال أسبابها بمجرد استبداله. لقد كان الصراع على شكل الدولة التي ستبقى بعد حكومته.
جاءت الحرب فأجّلت حسم هذا الصراع، وأضافت إليه إخفاق السابع من أكتوبر، والمحاسبة على إدارة المعارك، واستنزاف الجيش والاقتصاد والعلاقة بالعالم. لكن التعبئة العسكرية لم تمنح المشروع أكثريته المتجددة. وهذه دلالة تتجاوز نتيجة رئيس الحكومة، بعد سنوات من توظيف الخطر الخارجي لتوحيد الداخل، تعود الانقسامات الداخلية إلى فرض نفسها. وإذا اقتضى إنقاذ نتنياهو تفكيك تحالفه أو تجميد برنامجه، يكون بقاؤه اعترافاً إضافياً بحدود المشروع، حتى لو استطاع تقديم الصفقة انتصاراً شخصياً.
غير أن أصحاب المشروع لا يفكرون بالضرورة كأحزاب عادية خسرت جولة وتنتظر أخرى. بعضهم يرى في وصوله إلى مركز السلطة فرصة تاريخية لتغيير الدولة والأرض معاً، ويملك جمهوراً عقائدياً منظماً، وفي البيئة الاستيطانية نواة مسلحة اعتادت فرض الوقائع. لذلك يصبح سؤال قبول التراجع مشروعاً: هل يخضعون لقواعد التداول، أم يعتبرون المؤسسات عقبة أمام غاية أعلى؟ لا يجعل ذلك العنف حتمياً، لكنه يضع التخوين والترهيب والعصيان ضمن احتمالات ينبغي حسابها سياسياً.
نتنياهو يعرف هذه البيئة من داخلها. شارك في تعبئتها وتمكينها، ويعرف أن التخلي عنها قد يُقرأ خيانة للمشروع، لا مجرد استبدال شركاء. وفي الذاكرة اغتيال رابين على يد متطرف ديني، ومناخ التحريض الذي كان بن غفير أحد وجوهه. لذلك لا تختزل حكومة الوحدة بمعادلة مقاعد؛ إنها تتطلب من نتنياهو مواجهة قوى ربط مستقبله بها، وتتطلب من خصومه تفسير العودة إلى الشراكة معه. وقد يكون العجز عن تحمل هذه الأكلاف سبباً لاستمرار الانسداد.
وإذا استعادت إسرائيل التقليدية المبادرة، فسوف يكون معيار المراجعة قدرة الدولة على استعادة صلتها بالغرب، وخصوصاً أوروبا، وإخضاع سياساتها لحساب الأمن والمصلحة. عندها تُفتح ملفات الاستيطان وغزة ولبنان وسورية وإيران على سؤال الكلفة والجدوى وحدود التسوية، وتعود داخلياً قضايا القضاء والتجنيد وتقاسم الأعباء. لا يعني ذلك إنصاف الفلسطينيين تلقائياً، لكنه يعني اختلافاً في قابلية التراجع والتفاوض، وفي المسافة بين استخدام القوة لخدمة أهداف سياسية واستخدام الدولة لخدمة غايات عقائدية مفتوحة.
من هذه الزاوية تكتسب دعوة القائد الشهيد إسماعيل هنية إلى دراسة التأزم الداخلي معناها، حين سأل خلال لقاء جمعنا في منتدى التفكير الاستراتيجي وكتبت عنه مرارا، «كيف نستطيع ونحن نراقب هذا التفكك الذي يصيب هياكل الكيان السياسية والاجتماعية والثقافية والعسكرية والعقائدية، أن نمتلك القدرة على الإسهام في تعميق هذا التأزم». ويأتي التصويت العربي فرعاً أخيراً في هذه القراءة: فعل فلسطيني أثّر في موازين الصراع، وحرم المشروع الحاكم من اكتمال تفويضه، وامتلك قدرة التعطيل وصناعة الاستعصاء.