مقدمة: نهاية حقبة “الحدائق الخلفية” الرقمية
لعقود طويلة، تعامل أباطرة التكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية مع دول الجنوب العالمي بمنطق استعماري حديث؛ فاعتبروها مجرد “حدائق خلفية” خاضعة لسطوة خوارزمياتهم المعتمة. في هذه المساحات الافتراضية المترامية الأطراف، كان عمالقة “السيليكون فالي” يحددون من يصعد وينتشر، ويسقطون من يشاؤون عبر هندسة الرأي العام، متجاوزين دساتير الدول وسيادتها الوطنية تحت لافتة براقة وهشة تُسمى “حرية التعبير الموجهة”.
لكن هذه العربدة الرقمية اصطدمت مؤخراً بجدار فولاذي صلب اسمه الدولة البرازيلية. لقد خطت برازيليا سابقة تاريخية أسقطت كبرياء المليارديرات، وأجبرت منصة “إكس” (تويتر سابقاً) على الانصياع صاغرة، قبل أن يمتد الغضب الشعبي ليتفجر اليوم أمام مقرات “ميتا” رفضا لتلاعب مارك زوكربيرغ بالصناديق والوعي العام. هذه التطورات لم تعد مجرد أخبار تقنية عابرة، بل تحولت إلى نقطة تحول جيو-سياسية واقتصادية تعيد رسم العلاقة بين الدولة الوطنية ووحوش الرأسمالية الرقمية.
أولاً: معركة السيادة الوطنية في مواجهة التعالي الاستعماري
لم تكن المواجهة بين البرازيل ومنصة “إكس” مجرد نزاع قانوني روتيني بين هيئة تنظيمية ومنصات تواصل اجتماعي، بل كانت صداماً مباشراً حول مفهوم السيادة الوطنية.
فقد تعامل الملياردير إيلون ماسك مع القضاء البرازيلي بتعالٍ استعماري فج، متجاهلاً قرارات المحكمة العليا البرازيلية بحظر الحسابات المتورطة في التحريض على إسقاط الديمقراطية ومساندة تمرد اليمين المتطرف (أنصار الرئيس السابق جايير بولسونارو). وبدلاً من احترام القوانين المحلية للدولة، فضّل ماسك إغلاق المكاتب المحلية للمنصة متحدياً الدولة بمؤسساتها الدستورية.
غير أن برازيليا وجهت صفعة غير مسبوقة حين أصدرت قراراً تاريخياً شجاعاً بقطع المنصة بالكامل عن أكثر من مئتي مليون مواطن، وتجميد الأصول المصرفية لشبكة “ستارلينك” التابعة له، وفرض غرامات مالية باهظة.
وجد ماسك نفسه أمام واقع لم يعد يحتمل العناد: خسائر مالية فادحة، وعزلة سوقية خانقة في إحدى أكبر أسواق أمريكا اللاتينية، وملاحقة قضائية تهدد مصالحه. هذا الضغط المزدوج دفعه إلى التراجع المذل عن كل عنترياته؛ فدفع ملايين الدولارات غرامات، وعيّن ممثلاً قانونياً يمتثل للقانون البرازيلي، وحذف المحتوى المخالف صاغراً ليعود إلى العمل تحت سقف السيادة الوطنية، لا فوقها.
ثانياً: البعد السيادي والاقتصادي: لماذا يستهدفون لولا دا سيلفا؟
هذا الانكسار المدوي لماسك يعري في جوهره الدافع الحقيقي وراء استماتة عمالقة التكنولوجيا في الاصطفاف خلف معسكر جايير بولسونارو وأبنائه ضد الرئيس اليساري المنتخب لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. الصراع هنا لا يمت لحرية التعبير بصلة من قريب أو بعيد، بل هو صراع سيادي واقتصادي بحت.
مشروع لولا السيادي: يمثل الرئيس لولا دا سيلفا توجهاً وطنياً وسيادياً يسعى لإخضاع الشركات الاحتكارية العابرة للقارات للضرائب العادلة، وحماية مقدرات البلاد وثرواتها الطبيعية (مثل غابات الأمازون وموارد الطاقة) من الاستباحة، فضلاً عن تنظيم الفضاء الرقمي لحماية المواطنين من التضليل المنظم.
معسكر بولسونارو ورأس المال المتوحش: في المقابل، يمثل معسكر اليمين المتطرف الوكيل الطيع لرأس المال المتوحش؛ فهو المعسكر المستعد دائماً لتقديم التسهيلات الضريبية، وتفكيك أجهزة الرقابة الحكومية، وفتح الباب واسعاً أمام “الفوضى الرقمية” التي تغذي خوارزمياتها أرباح هذه الشركات وتضمن هيمنتها.
ثالثاً: من “إكس” إلى “ميتا”: تزوير الإرادة الشعبية وخوارزميات التكميم
لهذا السبب تحديداً، لم تكن منصة ماسك وحدها في خندق العداء للرئيس لولا دا سيلفا؛ فقد تورطت شركة “ميتا” (فيسبوك، إنستغرام، واتساب) في ممارسات مماثلة عبر التلاعب المتعمد بالخوارزميات لتكميم الأصوات المؤيدة للحكومة الحالية وعرقلة حضورها الشعبي، في محاولة مدروسة لسرقة إرادة الصناديق وتصعيد اليمين التابع مجدداً إلى واجهة المشهد السياسي.
لقد اعتمدت هذه المنصات على هندسة الوعي الجمعي، وترويج الخطابات الشعبوية المتطرفة التي تخدم مصالح الاحتكار المالي العالمي، مستغلة طبيعة المنصات المغلقة وغياب الشفافية في إدارة الخوارزميات. لقد كان الهدف واضحاً: إعادة هندسة الخريطة السياسية في البرازيل بما يضمن بقاء مقدرات الجنوب العالمي مستباحة لخدمة عمالقة الشمال.
رابعاً: الشارع البرازيلي ينتفض: السقوط الثاني لإمبراطوريات التكنولوجيا
لكن المعادلة انقلبت جذرياً في شوارع المدن البرازيلية. فالشارع الذي تابع بفخر انكسار شوكة إيلون ماسك، أدرك أن المعركة لم تنتهِ، وأن عبث مارك زوكربيرغ عبر “ميتا” لا يقل خطورة.
اليوم، خرجت الجماهير البرازيلية في تظاهرات حاشدة وغاضبة طوقت مقرات شركة “ميتا” في ساو باولو، رافعة شعارات ترفض التدخل السافر والممنهج في توجيه الرأي العام والتلاعب بالانتخابات والصناديق. ولم تقتصر المطالب على الاحتجاج، بل تحولت إلى ضغط شعبي وسياسي صارخ يطالب بفرض نفس القبضة الحديدية والقانونية التي خضع لها ماسك على خوارزميات زوكربيرغ ومنصاته.
خاتمة: هل تنطلق “ثورة سيادة رقمية” من الجنوب العالمي؟
إن ما تجري فصوله اليوم في البرازيل يمثل نقطة تحول تاريخية كبرى في مسار العلاقات الدولية والتكنولوجية. لقد أثبتت التجربة البرازيلية أن “الدولة الوطنية” قادرة، متى ما توفرت الإرادة السياسية والالتفاف الشعبي، على ترويض أقوى إمبراطوريات العصر الحديث وأكثرها ثراءً وتجبراً.
إن سقوط هيبة أباطرة التكنولوجيا في برازيليا وساو باولو يرسل رسالة مدوية لكل دول الجنوب العالمي: إن السيادة الرقمية ليست ترفاً فكرياً، بل هي خط الدفاع الأول عن استقلال القرار الوطني والديمقراطية في القرن الحادي والعشرين. وبدلاً من أن تكون هذه الدول مجرد حدائق خلفية خاضعة للخوارزميات، ها هي البرازيل تفتح الباب أمام نظام عالمي جديد يعيد للسياسة والشعوب مكانتها في مواجهة طغيان رأس المال الرقمي العابر للحدود.
د. نبيلة عفيف غصن
