بينما ينشغل الإعلام بالصراعات الحزبية السطحية، فإن جوهر الانتخابات داخل الكيان الصهيوني أزمة بنيوية أعمق: فالكيان، بعد حروب استنزاف طويلة على جبهات متعددة، بات يحتاج فعلياً إلى مهلة استراتيجية لإعادة بناء قدرته العسكرية وترميم جاهزيته. فالإجماع على الأهداف الاستعمارية الكبرى ثابت، والخلاف الحقيقي محصور في الوسائل: بين يمين عقائدي يريد الحسم الميداني المفتوح مهما كلّف، ويمين أمني/مؤسسي (جنرالات سابقون) يدرك أن تآكل الجاهزية وانهيار الاحتياط وتصدع العلاقة مع واشنطن يجعل استمرار القتال بلا ضبط خطراً وجودياً. ولهذا فإن أي مسار “أمني” قادم لن يكون سلاماً، بل “جراحة هادئة”: ضربات نوعية وعمليات خفية، وترميم التنسيق الاستخباراتي مع واشنطن، وأولوية مطلقة لمعالجة أزمة التجنيد والاحتياط ووقف النزيف البنيوي في الجبهة الداخلية — أي بالضبط ما يمنح الكيان المهلة التي يحتاجها لاستعادة قدرته العسكرية.

وهذه الحاجة إلى المهلة تصطدم مباشرة بعاملين لا يمكن تجاوزهما. الأول هو الوزن الفلسطيني في الداخل: فالفلسطينيون الذين يمثلون نسبة هامة من الناخبين يصرّون على استثمار حقهم الانتخابي كأداة ضغط، ما يعيد بانتظام إنتاج “الشلل المزمن” في الكنيست ويمنع أي معسكر صهيوني من تحقيق أغلبية مستقرة (61 مقعداً)، ويُبقي النظام رهينة تحالفات هشة تبتزها الأطراف المتطرفة — وبالتالي يعطّل أي مشروع طويل المدى لترميم القدرة. والثاني هو الاقتصاد والجبهة الداخلية: فالعبء الكارثي على الطبقة الوسطى المنتجة، عمود الجيش النظامي واقتصاد التقنية، أنتج تمرداً صامتاً وعزوفاً متزايداً عن الاحتياط، معتبرةً أن استمرار القتال يخدم بقاء الحكومة أكثر مما يخدم أمن الكيان.

ومن هنا تبدو واشنطن عاملاً حاكماً في المعادلة: فهي لا تقيس الانتخابات بـ”من فاز” بل بقدرة القيادة الصهيونية على ضبط “معدل المخاطر النظامية” على مصالحها، وتنظر إلى اليمين العقائدي كـ”حليف متهور” قد يستنزف قدراتها في حروب إقليمية لا مصلحة لها فيها، بينما تفضّل التعامل مع المؤسسة الأمنية التقليدية كـ”وكيل إقليمي موثوق”. غير أن هذا التفضيل يبقى فرضية قابلة للاختبار لا حقيقة مسلّمة، إذ تعاملت واشنطن تاريخياً مع حكومات يمينية دون كسر التحالف.

في الخلاصة، التغيير إن حصل فلن يكون في الأهداف العليا، بل في كفاءة التكتيك ودرجة التنسيق مع الحليف الأمريكي؛ والانتخابات محطة إضافية في صراع طويل، يحتاج فيها الكيان الصهيوني إلى مهلة لإعادة بناء قدرته العسكرية — مهلة يهددها وزن فلسطينيي الداخل وتمرد الطبقة المنتجة، ويشترطها ضبط أمريكي للمخاطر.