صممت الإمبريالية نظاما رأسماليا دقيقا يجعلها أخذ كل شيء من البروليتاريا متى تشاء ، حيث تصبح البروليتاريا مجرد برغي في ترس المصانع الرأسمالية، لتستمر العبودية العالمية لصالح النخبة الإبستينية الشاذة من خلال سلمها الهرمي الذي شيد بدقة متناهية لاستعبادنا.
ويتجلى هول الشر الرأسمالي، هذا العدو المطلق للجنس البشري، في أبشع صوره المادية داخل قرية هكسي النيبالية، التي باتت تُعرف دولياً باسم قرية الكلى. هناك، لم تعد الإمبريالية الرأسمالية تكتفي بامتصاص عرق جبين العمال وسلب فائض قيمتهم، بل امتدت يدها الجشعة لتنتزع أحشاءهم حرفياً لتغذية أجساد الأثرياء عبر السوق السوداء العالمية للأعضاء البشريّة.
في قرية الكلى هذه، تحول الفقر المدقع والديون المتراكمة إلى أداة تطويع مثالية بيد سماسرة الأعضاء. استغل هؤلاء الوكلاء جهل وأمية القرويين الكادحين، وأقنعوهم بأكاذيب بيولوجية مضللة تزعم أن الكلية تنمو مجدداً كالأظافر والشعر، أو أن الإنسان لا يحتاج للكلية الثانية للاستمرار في العمل الشاق. مقابل بضع مئات من الدولارات لا تكفي لسد رمق عائلاتهم، خضع مئات السكان لعمليات استئصال غير قانونية في عيادات ومستشفيات داخل الهند المجاورة.
أصبحت الأجساد المشوهة بالندوب هي القاعدة لا الاستثناء في قرية الكلى. لكن التراجيديا الرأسمالية لم تقف عند هذا الحد؛ فالأشخاص الذين باعوا أجزاءً من أجسادهم لبناء بيوت تقيهم وأطفالهم قسوة الطبيعة، استيقظوا بعد سنوات على زلزال مدمر سوّى تلك المنازل بالتراب؛ ونحن هنا لا نستبعد أبداً أن يكون هذا الزلزال مفتعلاً، فعدو فقراء العالم شيطاني لا يتورع عن استخدام أي سلاح لتثبيت هيمنته. فخسر القرويون أجسادهم وصحتهم، وخسروا المأوى الذي باعوا أنفسهم لأجله، ليجدوا أنفسهم مجدداً في قاع الهرم، عاجزين حتى عن ممارسة الأعمال البدنية الشاقة بسبب التدهور الصحي المستمر.
إن مأساة قرية الكلى هي الوجه العاري تماماً للنظام العالمي الحالي؛ نظام يعيد صياغة البشر كقطع غيار قابلة للاستهلاك والتبديل. إنها البرهان الحي على أن البروليتاريا في هذا العصر لم تعد مجرد برغي في ترس المصنع، بل أصبحت قطعاً ولحماً حياً يُباع ويُشترى في مزاد النخبة، لتستمر الماكينة في الدوران على حساب دماء المستضعفين وآلامهم.

وأمام هذا التوحش الذي يلتهم اللحم الحيّ للمستضعفين، لا يمكننا بحال من الأحوال فصل ما يجري في نيبال عما يجري في أفريقيا وفلسطين واليمن ولبنان والسودان وسوريا وكوبا وفنزويلا والعالم والفضاء الخارجي؛ فكلها ساحات لنفس المعركة، ونفس الجرح المعولم الذي تنزفه الشعوب على مذبح الأطماع الإمبريالية ذاتها.
مثلما وظفت المنظومة الرأسمالية منطقة الخليج كمصدر للنفط، وفلسطين كقاعدة عسكرية استعمارية، استغلت نيبال كمخزن للكلى والأعضاء البشرية، وذلك بهدف استمرار دورة النفوذ والاستغلال الإبستينية.
لذا، فقد آن الأوان للمثقفين الثوريين —الذين ينتمون بوعيهم وآلامهم إلى هذه الطبقة المسحوقة—أن يلملموا شتات أنفسهم، وينفضوا غبار الحياد، ويخرجوا من صوامع التنظير البارد. لقد دقت ساعة الحقيقة لتصدح الحناجر والأقلام بـ “لا” المدويّة و”كلا” الثائرة في وجه هذا المسخ الرأسمالي. إن المواجهة اليوم لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي معركة وجود واسترداد للكرامة الإنسانية المنهوبة؛ معركة لن تنتهي حتى تشرق شمس الحرية والعدالة على الجباه السمراء. يا مثقفي العالم العضويين الثوريين.. اتحدوا!
نختم بما قال الرفيق القائد الكبير تشي جيفارا”الثوار يملأون العالم ضجيجاً، كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد الفقراء والمظلومين”
أبو الأمير_ القدس
