تخوض قوى المواجهة والصمود في المنطقة والعالم اليوم مرحلة جديدة من ملحمة التصدّي للهيمنة الأطلسية والنفوذ الصهيوني؛ وهي مرحلة أثبتت فيها الميدانيات والدبلوماسية وسوق التكنولوجيا والاقتصاد الموازي أن معادلات الردع لم تعد تُكتب في واشنطن أو تل أبيب، بل تُفرض ببدائل ميدانية وتكنولوجية وسياسية شجاعة تمتد من ثغور جنوب لبنان إلى مياه البحر الأحمر والخليج العربي، وصولاً إلى ثغرات النظام المالي والغربي.
​1. الميدان المشتعل: ردع العدوان وحماية السيادة
​أ. الجبهة اللبنانية: الثبات الميداني وحماية الأرض
على أطراف القرى والبلدات الجنوبية — من كفرتبنيت ووادي الحجير وشقرا إلى وادي زبقين والخيام وحاريص — يواصل مجاهدو المقاومة والقوى الشعبية التصدي للغارات والقصف المدفعي الصهيوني بقوة وثبات.
الردع السياسي والشعبي: يشدد الموقف والشعبي في لبنان على التمسك بالسيادة الوطنية ورفض أي إملاءات تستهدف تفريغ الجنوب من أهلِه أو إنهاء دور القوات الدولية المكلّفة بفرملة الاعتداءات والاحتلال الصهيوني للقرى اللبنانية.
​التكافل والتثبيت السكاني: يأتي إطلاق برنامج «وعد والتزام» لإعادة إعمار وترميم ما دمره العدوان الصهيوني كرسالة صمود اجتماعية واقتصادية تؤكد أن التدمير الممنهج للنظرية الصهيونية لن يكسر إرادة الحاضنة الشعبية، بل يعيد بناء ما هُدم على قواعد أكثر صلابة.
​ب. اليمن والسعودية: المعادلة الصارمة واستطالة يد الردع
دخلت المواجهة مع التحالف الداعم للسياسات الأميركية في المنطقة مرحلة تثبيت التوازنات الحيوية. وتبدأ هذه السلسلة المتصاعدة باستهداف العمق الحيوي للعدوان، مما يؤدي مباشرة إلى تعطيل حركة المطارات ومنشآت الطاقة الرئيسية. ونتيجة لهذه الضربات الدقيقة، تتفكك منظومات الإنذار المبكر الإقليمية وتفقد فاعليتها، وهو ما يفرض في النهاية كلفة اقتصادية باهظة ومباشرة على الدول المشاركة في العدوان والجهات الداعمة لها.
​دكّ المنشآت الحيوية: أظهرت الضربات الموجهة نحو المفاصل الحيوية — من مطار الرياض إلى المقار الإدارية لشركة أرامكو في الظهران — أن الاستمرار في حصر اليمنيين وإسناد المشاريع الأجنبية له كلفة باهظة ومباشرة على شرايين الطاقة والمال.
​هشاشة الدفاعات والتحذير: كشف التخبط في منظومات الإنذار والتحذير العامة عن عجز الرهان على التكنولوجيا الأجنبية لحماية المنشآت عند مواجهة معادلات الردع المباشرة.
​حرية الملاحة ورفض الضغوط: في وقت تدعو فيه القوى الإقليمية لضبط النفس، تُثبت الوقائع في مضيق هرمز وباب المندب أن أمن الملاحة والاستقرار المالي العالمي مرتهنان بوقف العدوان ورفع الحصار، وليس بإرسال الأساطيل والتجييش الغربي.
​2. الصراع الدولي: انحسار الهيمنة الأطلسية وتهاوي الأدوات
​تتداعى أدوات السيطرة الهيكلية للنظام الغربي أمام اتساع رقعة المواجهة وتنوع أساليب الردع الإقليمي والدولي:
​انكشاف النفاق في ملف الجنائية الدولية والعقوبات: يبرز هذا الانكشاف جلياً في إقدام واشنطن على فرض عقوبات جديدة ضد المحكمة الجنائية الدولية بمجرد مساسها بالمسؤولين الأميركيين أو حلفائهم الإسرائيليين. تحمل هذه الخطوة قراءة سياسية وتكتيكية واضحة تُعري النفاق الغربي المزدوج وتكشف زيف شعارات “القانون الدولي” و”العدالة الناجزة”، مما يؤدي بالنتيجة إلى سقوط الذرائع الأخلاقية والغطاء القانوني الذي طالما استخدمه الغرب لتبرير مداخلاته وسيطرته.
تثبيت معادلات الردع البحري في مضيق هرمز: من خلال رفع جاهزية القوات البحرية الإيرانية وتطبيق تكتيكات ميدانية جديدة في المراقبة والإبحار، يفرض واقع ميداني واستراتيجي جديد يرفع كلفة المغامرات العسكرية الأطلسية؛ حيث أدت هذه الإجراءات إلى قفزة مباشرة في أسعار النفط لتتجاوز حاجز 106 دولارات للبرميل، مما حمل الاقتصاد الغربي وأسواق الطاقة كلفة مالية وضغوطاً تضخمية غير مسبوقة.
​اتساع المناورات والردع المائي في البحر الأسود: من خلال اتساع رقعة المواجهة البحرية واستهداف خطوط الإمداد والسفن التجارية التابعة لحلف الناتو أو الداعمة له قبالة سواحل بلغاريا، تحققت نتيجة استراتيجية تتمثل في إرباك القيادات العسكرية لحلف شمال الأطلسي، وفتح جبهات إنهاك متوازية تشتت السيطرة الغربية وتمنعها من الاستفراد بأي إقليم بمفرده.
​3. المعركة التكنولوجية والاقتصادية: انكسار الحصار الأميركي
​أ. تفوق البدائل الوطنية: تراجع Nvidia وصعود Huawei
​كشفت الأرقام الأخيرة عن تراجع حصة العملاق الأميركي Nvidia في السوق الصينية لمسرّعات الذكاء الاصطناعي لمراكز البيانات إلى 34%، مقابل صعود كاسح لشركة Huawei التي بلغت 28% مع تراجع الشحنات الأميركية بنسبة 44%.
​تُثبت هذه التحولات أن العقوبات والحصار التكنولوجي الأميركي لم يؤديا إلا إلى تسريع الاعتماد على الذات وإنشاء بنية تحتية تقنية مستقلة تنهي أسطورة الاحتكار الغربي للتقنيات المتقدمة.
​ب. أزمة السيطرة الماليّة والذكاء الاصطناعي
​تتداعى قدرة المنظومة الماليّة الغربية أمام التحولات التقنية والسلوكيات المستقلة للأنظمة الرقمية:
​الهلع التنظيمي: تسارع الهيئات الرقابية الأميركية والأوروبية لمطالبة البنوك بوضع كوابح خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، ما يعكس قلق النظام الرأسمالي من فقدان أدوات المراقبة المالية التقليدية.
​مخاوف الانتشار الذاتي: تُظهر تحذيرات مؤسسات التقنية من قدرة النماذج الصغيرة على الانتشار المستقل عبر أجهزة الاتصال المتصلة بالإنترنت أن قواعد السيطرة الرقمية الاحتكارية باتت واهية وأسطورة تتهاوى.
​ج. التضخم وأزمة الطاقة العالمية
​أكدت تقارير المؤسسات المالية الدولية أن الاستثمارات الضخمة لا يمكنها حماية الاقتصاد الغربي من تداعيات الحماقات العسكرية؛ حيث يهدد ارتفاع أسعار النفط والتضخم الناجم عن التوترات البحرية بزلزلة تقييمات أسواق المال الغربية وفرض معادلات واقعية جبارة.
​4. المأزق الإنساني والصحي: ثمار السياسات النفعية الغربية
​تتكامل الأزمات العسكرية والاقتصادية مع انكسارات النظام الصحي العالمي الغربي، ويتضح ذلك بوضوح في خريطة التهديدات الصحية المستمرة:
​تفاقم الأزمات الصحية الناجمة عن الإهمال الغربي: شهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية ومحيطها الإقليمي ارتفاعاً كارثياً في تفشي فيروس إيبولا (سلالة Bundibugyo)، حيث تجاوز عدد الإصابات المؤكدة حاجز 9,000 حالة مع تسجيل أكثر من 4,300 وفاة، مع وجود مخاوف حقيقية من اتساع الرقعة الجغرافية للمرض عبر الحدود. ​يعود هذا الانهيار الصحي في جوهره إلى تقاعس شركات الأدوية الغربية واقتصار تحركاتها على الربحية التجارية وتجاهل تطوير لقاحات مجدية للاقتصادات النامية والفقيرة، مما يسقط قناع الإنسانية عن النظام الصحي الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف المدارة من العواصم الغربية.
​خلاصة المشهد: نحو توازن جديد
​تُظهر ميزان القوى والتطورات المتلاحقة أن:
.1 ​خيار المقاومة والصمود هو السبيل الوحيد لفرض التوازنات، وسلب العدو وحلفائه القدرة على أخذ المبادرة سواء في الميدان أو في سوق الطاقة.
.2 ​العقوبات والحصار أثبتا فشلهما، وتحولا إلى محفز لبناء قدرات تكنولوجية واقتصادية مستقلة في الشرق والجنوب العالمي.
.3 ​الغطرسة الأميركية–الصهيونية لم تعد قادرة على حماية مصالحها ومؤسساتها، وأن كلفة استمرار العدوان أصبحت تُحسب على مستوى أسعار النفط، وأمن الملاحة، واستقرار الأسواق العالمية.
د. نبيلة عفيف غصن