الجبهة الثامنة … الأسرى في سجون الاحتلال
رانيا لصوي
حين يتحوّل السجن الى جبهة أخرى من جبهات الإبادة والحرب المفتوحة، يصبح الأسرى في قلب المواجهة التي تشنّها “اسرائيل” على غزة، الضفة، لبنان، سوريا، العراق، اليمن وايران. حرب تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتطال الإنسان والأرض والهوية والوجود، وتسعى الى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة وفرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة.
وفي قلب هذا المشهد، يمضي نتنياهو في سياساتٍ تهدف الى تكريس الهيمنة “الإسرائيلية” وتوسيع دائرة السيطرة والنفوذ في الشرق، بما ينسجم مع تصورات «إسرائيل الكبرى»، وهكذا تتشابك الحرب على الأرض مع الحرب داخل السجون، في مشروعٍ تتجاوز تداعياته حدود فلسطين لتطال مستقبل المنطقة وشعوبها وحقها في الحرية والسيادة وتقرير المصير.
أكثر من تسعين أسيرًا ارتقوا شهداء خلف قضبان سجون الاحتلال منذ السابع من أكتوبر، تاركين خلفهم حكاياتٍ لم تكتمل، وأمهاتٍ ينتظرن عودة أبنائهن، وآباءً يفتّشون في الوجوه عن ملامح الغائبين، وأطفالًا لا يعرفون لماذا طال الغياب ولماذا تحوّلت أبواب السجون إلى حواجز بين قلوبٍ أنهكها الانتظار وأحبةٍ لا يصل عنهم خبر.
وفي غزة، لا يزال العشرات من الأسرى مجهولي المصير، فيما يقف مئات الفلسطينيين في عداد المفقودين؛ لا تعرف عائلاتهم إن كانوا أحياءً خلف قضبان الأسر، أم تحت أنقاض البيوت، أم رحلوا بصمتٍ لم يشهد عليه أحد. مأساةٌ تتضاعف فيها القسوة، حين لا يجد الأب جوابًا يطمئن قلبه، ولا تجد الأم قبرًا تحتضنه، ولا يملك الأبناء سوى صورٍ قديمة وذكرياتٍ يواجهون بها وحشة الغياب. إن الكشف عن مصير الأسرى والمفقودين ليس ترفًا ولا مطلبًا مؤجلًا.الأسرى في أرقام..
بحسب تقرير صادر عن هيئة سؤون الأسرى والمحررين بلغ عدد الأسرى 9400 أسير ومعتقل، منهم 99 امرأة، و 350 طفلا أسيرا في سجن مجدو.
ومع ضرورة الإشارة الى مآساة الإعتقال الإداري فإن عدد المعتقلين إداريا بلغ 3244 ، فيما اعلن التقرير أن 1320 معتقل تحت مسمى صفة المعتقل غير الشرعي في اشارة الى المعتقلين من قطاع غزة.
لماذا يتحوّل الاعتقال إلى موت؟
في الحالة الاستعمارية، لا يؤدي السجن الوظيفة نفسها التي يؤديها في دولة تقوم على عقد اجتماعي ومؤسسات قانونية يُفترض أن تحمي الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية؛ بل يتحوّل إلى امتداد لمنظومة السيطرة، وأداة لإخضاع الإنسان، ومصادرة حريته، ومحاصرة وعيه، ومحاولة كسر إرادته وانتزاعه من أرضه وذاكرته ومستقبله.
لا يعود الاعتقال مجرد حرمان من الحرية، بل قد يتحوّل إلى مسارٍ يهدّد الحياة ذاتها، حين تترافق ظروف الاحتجاز مع التعذيب، والتجويع، والإهمال الطبي، وسوء المعاملة، والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية.
في الاعتقال نجد أسرى حوّلوا الزنازين إلى مساحات للمقاومة والصمود، والتنظيم، وإنتاج الوعي، وصناعة المعنى في قلب العتمة. لم تكن القضبان قادرة على مصادرة أفكارهم، ولا الجدران قادرة على عزلهم عن شعبهم وقضيتهم؛ فالسجن الذي أُريد له أن يكون أداةً للإخضاع، تحوّل في التجربة الفلسطينية إلى مساحة لاختبار الإرادة، وصون الهوية، والتمسّك بالحرية. الحرب على الأسرى اليوم، اصبحت حربا على القدرة على إنتاج المقاومة نفسها وكسر الجبهة الثامنة في الحرب.
المصدر/ الموقع الرسمي لحزب الوحدة الشعبي الديمقراطي الأردني
