هذا المقال هو محاولة لقراءة مستقبل اليمن وشبه الجزيرة العربية على ضوء تجربتين من تاريخنا، كانت فيهما العلاقة التفاعلية بين المقاومة والوحدة هي الدينامية الأساسية، وكانت فلسطين، كما هي الآن، العنوان والقضية.
التجربة الأولى، عندما أطلق الغرب الأوروبي الحروب الصليبية في 1096، كان الشرق وبلاد الشام منقسمين بين الخلافتين الفاطمية في مصر والعباسية في بلاد الشام والعراق والتي كانت بدورها تعاني انقسامات الحكام السلاجقة، مما مكّن الأوروبيين من انشاء مملكة القدس اللاتينية في 1099 وثلاث امارات لاتينية: الرها، وأنطاكية وطرابلس.
أطلق عماد الدين زنكي مشروع مواجهة الوجود الصليبي بعد تسلّمه قيادة الموصل عام 1127. ولقد مكّنه توحيد الموصل مع حلب من تحرير إمارة الرها من أيدي الصليبيين عام 1144. وهذا أعطى ثقة كبيرة للمسلمين في قدرتهم على الانتصار على الصليبيين الذين أصيبوا مع الأوروبيين بصدمة عنيفة والقيام بالحملة الصليبية الثانية.
تابع نور الدين زنكي مشروع والده في التوحيد والتحرير، وبتحالف الموصل وحلب ودمشق، صمد بوجه الحملة الصليبية الثانية، التي كانت بقيادة امبراطور ألمانيا كونراد الثالث وملك فرنسا لويس السابع بالإضافة لصليبيي الشرق، ومنعهم من استعادة الرها وأفشل هجومهم على دمشق عام 1148، مما أعطاه شرعية سياسية وأخلاقية جعلته قطباً ومركزاً جاذباً.
حينها، كانت الدولة الفاطمية في مصر تواجه خَطَرَيْ الصراعات الداخلية وتهديد الصليبيين. مما دفع الوزير الأول المصري، شاور، لطلب مساعدة نور الدين الذي أرسل حملات عسكرية بقيادة أسد الدين شيركوه وصلاح الدين لمواجهة الصليبيين وحماية مصر، أدت آخرها إلى استلام صلاح الدين وزارة مصر في 1169. وبعد انتهاء الخلافة الفاطمية عام 1171، أكمل صلاح الدين وحدة مصر وبلاد الشام عام 1186 التي مكنته من تحرير القدس عام 1187.
خلاصة هذا المثل التاريخي، أنّ الانقسام أدى بداية الى نجاح المشروع الصليبي، وأنّ الوحدة أدت الى تحرير إمارة الرها وإفشال التحالف الأوروبي-الصليبي الشرقي على أبواب دمشق. وأنّ دينامية النصر والوحدة في بلاد الشام أنتجت قطباً مركزياً مكََّنه من إنقاذ مصر وتوسيع دولة الوحدة التي أفضت الى تحرير القدس.

التجربة الثانية هي أنّ عوامل الاستعمار والتجزئة في منطقتنا، مكَّنت، مرة أخرى، تحالف الغرب الاستعماري والحركة الصهيونية من تكرار كارثة خسارة فلسطين وقيام كيان الاحتلال عام 1948، مما أحدث زلزالاً وتحدياً في المنطقة مستمرَّين إلى اليوم.
ومن مفاعيل هذا الزلزال قيام ثورة 23 يوليو 1952 في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، الذي من ضمن إنجازاته تأميم قناة السويس الشركة البريطانية – الفرنسية، عام 1956. مما أدّى إلى العدوان الثلاثي (فرنسا-بريطانيا-إسرائيل) على مصر.
إنّ صمود عبد الناصر وانتصاره في هذه المواجهة، أعطاه شرعية سياسية ووطنية وقومية جعلته قطباً ومركزاً جاذباً في الوطن العربي.
حينها، كانت سوريا تعاني، كما مصر نهاية الحكم الفاطمي، أزمات سياسية وانقلابات، بالإضافة إلى ضغوط الغرب عبر حلف بغداد، مما دفع القوى الحيَّة في سوريا بالطلب من عبد الناصر بالوحدة بين مع مصر، التي قامت في 1958.
خلاصة هذه التجربة التاريخية، مرّة أخرى، أنّ الانقسام أدى الى استيطان فلسطين، وأنّ مقاومة تحالف الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية وكيان الاحتلال، أدت إلى شرعية وطنية وقومية لعبد الناصر أفضت إلى الوحدة مع سوريا والتي كانت في الاتجاه الصحيح للتاريخ بدليل تكالب الأعداء عليها.
إذاً، خسارة التحالف البريطاني – الفرنسي لحرب السويس ولقناة السويس كممر مائي استراتيجي للتجارة العالمية، سرَّعت من أفولهما كإمبراطوريتين وصعود الولايات المتحدة الأميركية لوراثتهما.
ونحن اليوم أمام سؤال مشابه لمستقبل أميركا كإمبراطورية بعد فشل حربها ضد إيران، حتى الآن، حيث تخسر السيطرة المطلقة على مضيق هرمز كممر مائي استراتيجي، وربما تفقد السيطرة على ممر مائي استراتيجي آخر هو باب المندب.

ننطلق الآن من هاتين التجربتين التاريخيتين لقراءة واقع ومآلات ما يحدث في اليمن وشبه الجزيرة العربية.
لقد انخرط اليمن بشجاعة ووفاء في معركة إسناد الشعب الفلسطيني لأكثر من سنتين منذ أكتوبر 2023، حيث خاض، كما نور الدين في الحملة الصليبية الثانية وكما عبد الناصر في حرب السويس، معركة صمد فيها بشجاعة ضد أميركا، وضد كيان الاحتلال الذي يقوم بحرب إبادة للشعب الفلسطيني.
واليوم، فإن اليمن يخوض معركة رفع الحصار عن شعبه ومعركة وحدته الوطنية، حيث يحقق نجاحات كبيرة كالسيطرة على الساحل اليمني مع البحر الأحمر إلى باب المندب.

إنّ صمود وثبات اليمن في معركة إسناد غزة، حين انكفأ الكثيرون، ونجاحات معركته الحالية، أظهر عناصر قوة عديدة أهمها:
1) الشرعية الأخلاقية والوطنية والقومية، نتيجة إسناد فلسطين والصمود بوجه أميركا وكيان الاحتلال.
2) تلاحم وتماهي الشعب اليمني وقيادته عالية الكفاءة والحكمة، متجلياً في مظاهرات صنعاء المليونية الأسبوعية.
3) كفاءة واكتفاء ذاتي للتسليح إنتاجاً وتصنيعاً.
4) ثقل ديمغرافي (> 42 مليون نسمة) يفوق مجموع مواطني إمارات وممالك شبه الجزيرة العربية (~ 30 مليون نسمة، دون الأجانب).
5) ثروات طبيعية كبيرة: المعادن والنفط والغاز…
6) موقع جغرافي استراتيجي يطل على بحر العرب وباب المندب أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية.
7) طبيعة جغرافية جبلية تعطيه مناعة الدفاع عنها عبر التاريخ.
8) عمق حضاري لآلاف السنين.

من ناحية أخرى، فإن الصراع الحالي بين إيران وأميركا وكيان الاحتلال، بالإضافة الى معركة رفع حصار اليمن، يؤدي إلى أزمات عدة في المنطقة والعالم، وخصوصاً إمارات وممالك شبه الجزيرة العربية التي تواجه تحديات صعبة أهمها : 
1) تحديات شرعية وأخلاقية كون سياساتها تتماشى مع تهديدات استيطان فلسطين والهيمنة الاستعمارية على المنطقة.
2) مشاكل اقتصادية لصعوبة تصدير النفط والغاز ومشتقاتها، ومالية لصعوبة استعادة أموالها المُسْتَثْمَرة في سندات الخزينة والبورصة الأميركية.
3) تهديدات أمنية، حيث القواعد العسكرية الأميركية أصبحت مصدر تهديد لهذه الدول بدل حمايتها.
4) تحديات عسكرية، كون أسلحتها أميركية الصنع، تعاني مشكلة نفاذ الذخائر التي تعانيها أميركا نتيجة استنزافها في حربي أوكرانيا وإيران.
5) إنّ المملكة السعودية تعاني تَفاقُم حدَّة التحديات الآنفة الذكر نتيجة معركة اليمن.
6) إنّ المملكة السعودية تعيش للمرة الأولى مرحلة انتقال السلطة إلى جيل أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز، بعد أن كان انتقال السلطة يتم بين الأخوة من أبنائه. وولي العهد، محمد بن سلمان، بدأ عهده باحتجاز بعض الأمراء بتهم الفساد. بالإضافة الى أنه كان قد أطلق قرارات مجتمعية واقتصادية، قد تؤثِّر على مجتمع بلاد الحرمين.

إنّ تراكم هذه التحديات، قد يؤدي إلى أزماتٍ حادةٍ في ممالك وإمارات شبه الجزيرة العربية يصعب التحكم بمآلاتٍها.

إذاً، إن فهم التجربتين من تاريخنا حيث كانت فلسطين العنوان والقضية، يمكننا أن نطرح قراءة لمستقبل اليمن وشبه الجزيرة العربية على ضوء ما يجري في المنطقة ودور اليمن المركزي فيه، حيث تبقى فلسطين المحور والقضية.
إن اليمن، إذا تمكّن من رفع الحصار وتحقيق وحدته الوطنية واستثمار ثرواته الطبيعية، فإن مقومات قوته المذكورة أعلاه وخصوصاً شرعيته الأخلاقية بالتزامه بفلسطين، والقومية بصموده في وجه تحالف أميركا وكيان الاحتلال، ستجعله ذلك البركان الهائل (محمد حسنين هيكل)، الذي سيخرجُ مشكلاً قطباً مركزياً في شبه الجزيرة العربية يمنحه دور الجاذب والمنقذ للكيانات المهددة فيها نتيجة التحديات التي تواجهها، كما أنقذ نور الدين زنكي وصلاح الدين مصر بتوحيدها مع سوريا وكما أنقذ عبد الناصر سوريا بتوحيدها مع مصر.
فهل يقود التفاعل التبادلي بين الصمود والوحدة، إلى أن تؤدي وحدة اليمن وصموده في إسناد فلسطين الى قيام كيان عربي واحد في شبه الجزيرة العربية محوره اليمن؟
وهل يؤسس هذا الكيان لمسار ودينامية من صمودٍ ونصرٍ أعظم ووحدةٍ أكبر؟

د. يوسف الأحمد