يشهد المشهد اليمني تصعيداً ميدانياً عالي النبرة يعيد تذكير العالم بطبيعة الحروب الطويلة التي تعجز فيها الترسانات العسكرية التقليدية، المدعومة بغطاء إقليمي ودولي، عن حسم المعارك على الأرض. إن المعطيات الراهنة تؤكد أن الصراع اتخذ طابعاً استنزافياً مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتقاطع الجبهات البرية المعقدة مع استراتيجيات الردع الجوي والاقتصادي المتبادل، لتشكل نموذجاً فريداً في إدارة الحروب اللامتماثلة.
​أولاً: الجمود الميداني وتآكل الخطوط الدفاعية للتحالف
​تُظهر التطورات العسكرية على الأرض حالة من الجمود الاستراتيجي الممزوج باشتباكات ضارية تعجز فيها قوى التحالف ومرتزقتها عن إحداث اختراق حقيقي يكسر إرادة الدفاع الشعبي اليمني:
​جبهة الساحل الغربي وباب المندب: يحاول التحالف تثبيت أقدامه في جيوب ضيقة قرب المجرى المائي الحيوي لباب المندب، سعيًا لفرض وقائع استراتيجية تتعلق بالتحكم في حركة الملاحة البحرية. إلا أن هذا التموضع يعاني من هشاشة جغرافية وعسكرية في ظل ضربات القوات اليمنية التي ترفض أي تكريس للاحتلال أو الحصار البحري.
​عقدة تعز العسكرية: تُمثل مدينة تعز ومحيطها الجغرافي المعقد نقطة الارتكاز الأكثر سخونة. فالقوات الحكومية الموالية للرياض تحاول بكل ثقلها وحشدهامن المحافظات الأخرى منع سقوط خطوط دفاعها الأخيرة،؛ إذ يدرك الطرف الآخر أن انهيار هذه الجبهة يعني بالضرورة تفكك كامل النسق الدفاعي للتحالف في المنطقة الوسطى والجنوبية، ويفتح الباب واسعاً لتحرير مساحات واسعة وفك الطوق عن اليمنيين.
​توازن الرعب في مأرب والجوف: رغم ارتفاع وتيرة المناوشات والتحشيدات العسكرية في هاتين المحافظتين الغنيتين بالنفط والغاز، إلا أن الخطوط الرئيسية تظل ثابتة، نظراً لأن اتجاهات المعركة الكبرى ترتكز حالياً على حسم معقل العقدة المركزية في تعز والضغط المباشر على العمق الحيوي للخصم.
​ثانياً: استراتيجية الردع اليدوي ونقل المعركة إلى العمق
​في مقابل التفوق الجوي المطلق لطائرات التحالف – التي لا تتوقف عن شن الغارات العدمية على العاصمة صنعاء ومحافظات صعدة ومأرب والجوف – طورت القوات اليمنية المسلحة (أنصار الله) عقيدتها القتالية نحو استراتيجية “العمق بالعمق” والضغط الاقتصادي المباشر:
​شلل البنى التحلية الاستراتيجية: أثبتت الضربات الدقيقة الموجهة نحو المطارات الحيوية (كمطار الملك خالد الدولي في الرياض) والمنشآت النفطية (مثل مصافي أرامكو في جازان) قدرة فائقة على اختراق المنظومات الدفاعية المرتجفة للتحالف. إن توقف الملاحة الجوية، وإلغاء مئات الرحلات، وتعطيل شريان الحركة الاقتصادية في العاصمة السعودية يعكس نجاحاً استراتيجياً في نقل كلفة الحرب إلى داخل عقر دار المعتدين.
​الاستنزاف المعنوي والمادي: يعتمد الدفاع اليمني الصامد على استنزاف الموارد المالية والاحتياطات التقنية للعدو. فكل صاروخ أو طائرة مسيرة تُطلق تُكبد اقتصاد خصوم اليمن مليارات الدولارات من الخسائر المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن ضرب الثقة في منظومات الدفاع الجوي الغربية المستوردة التي ثبت عجزها الفادح أمام التكتيكات المتطورة للمقاومة اليمنية.
​ثالثاً: مأزق الحلفاء الإقليميين والدوليين
​تكشف الردود الفعلية الغربية والإقليمية على ضربات العمق السعودي عن حالة من الارتباك والعجز الاستراتيجي:
​غياب التدخل المباشر الفعال: تقتصر ردود الفعل الدولية على بيانات التنديد والخطابات السياسية الفضفاضة (كما ظهر في تصريحات الإدارة الأمريكية ودول الإقليم). إن أي تفكير في تدخل عسكري بري مباشر أصبح مستبعداً تماماً نظراً لحجم المخاطر الباهظة والنتائج الكارثية غير المضمونة التي تنتظر أي غزاة جدد على جبال اليمن.
​أزمة منظومات الدفاع: إن تراجع المخزون الاستراتيجي العالمي لمنظومات الاعتراض الصاروخي – وفق ما كشفت عنه صراعات دولية وإقليمية أخرى – يجعل من المستحيل حماية المنشآت الحيوية السعودية بشكل كامل، مما يترك الرياض بين فكي مخلب الاستنزاف المستمر أو الخضوع لشروط وقف العدوان ورفع الحصار.
​رابعاً: آفاق المستقبل.. مسار التصعيد أم التسوية؟
​إن تتبع مسار العمليات يؤكد أن الحلول العسكرية التقليدية قد استُنفدت، وأن محاولات فرض الحلول السياسية تحت النار مآلها الفشل. في ظل إصرار الشعب اليمني وقواته المقاومة على انتزاع سيادته الكاملة وكسر الحصار الظالم، فإن أي تصعيد جوي مرتقب من قبل طيران التحالف لن يغير من معادلة الصراع شيئاً، سوى أنه سيزيد من عمق الخسائر السعودية ويقرب لحظة الانهيار الشامل لمشروع الوصاية الأجنبية.
​إن اليمن يثبت يوماً بعد يوم أنه مقبرة للغزاة ومحطة لانكسار عجرفة القوى الاستكبارية، وأن طريق الحرية والكرامة يُعبد بالتضحيات الجسام والضربات الموجهة في صميم اقتصاد وعصب المعتدين.
د. نبيلة عفيف غصن