لم يعد اليمن مجرد ساحة حرب داخلية، ولا مجرد ملف أمني على الحدود الجنوبية للسعودية. ما يجري هناك بات جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها الحسابات السعودية والباكستانية والأميركية، وتتقاطع مع أمن البحر الأحمر والممرات البحرية، ومع صراع النفوذ الممتد من الخليج إلى القرن الأفريقي.
وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن مشاركة سلاح الجو الباكستاني في ضرب مواقع تابعة لـ«أنصار الله» أهمية تتجاوز حجم المشاركة العسكرية نفسها.
لماذا تحتاج السعودية إلى قوة خارجية إضافية لمواجهة اليمن، بعد سنوات طويلة من الحرب والتفوق الجوي والتقني الهائل؟
هنا تكمن المفارقة.
السعودية تمتلك واحدًا من أكثر أنظمة التسليح تطورًا في المنطقة، وأنفقت مليارات الدولارات على الطائرات والصواريخ والدفاعات الجوية. ومع ذلك، لم تستطع القوة الجوية وحدها أن تحسم الحرب، ولا أن تنهي قدرة «أنصار الله» على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ولا أن تمنع وصول التهديد إلى العمق السعودي.
وهذا يكشف حقيقة عسكرية وسياسية أساسية: التفوق الجوي لا يساوي بالضرورة القدرة على حسم حرب غير متناظرة.
لقد طوّر اليمنيون، خلال سنوات الحرب، قدرة واضحة على التكيّف مع الضربات الجوية، وعلى توزيع قدراتهم، واستخدام التضاريس، وتغيير أساليب الإخفاء والإطلاق، وتحويل الحرب إلى معركة استنزاف طويلة. ولذلك فإن إضافة مقاتلات باكستانية إلى المعادلة قد تزيد حجم الضربات، لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية: كيف يمكن تحويل التفوق الجوي إلى سيطرة سياسية وعسكرية على الأرض؟
وهنا يصبح دخول باكستان أكثر تعقيدًا.
فإسلام آباد ليست دولة صغيرة يمكن دفعها بسهولة إلى حرب مفتوحة. لديها حساباتها الخاصة، وعلاقاتها مع السعودية، وموقعها الجغرافي الحساس، وخصومتها الاستراتيجية مع الهند، فضلًا عن حاجتها إلى عدم فتح جبهة عسكرية جديدة تستنزف قواتها ومواردها.
ولهذا فإن مشاركة محدودة، إذا تأكدت، قد تكون أقرب إلى رسالة سياسية وأمنية منها إلى قرار بالدخول في حرب شاملة.
فالسعودية تحتاج إلى حماية منشآتها الحيوية ومدنها ومطاراتها وموانئها ومنشآتها النفطية. وباكستان تستطيع أن تقدم مظلة عسكرية إضافية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها مستعدة للغرق في المستنقع اليمني الذي لم تستطع قوى إقليمية ودولية عديدة حسمه خلال سنوات.
أما بالنسبة إلى «أنصار الله»، فإن أي توسع في دائرة المشاركين في الضربات قد يُقرأ باعتباره توسعًا في دائرة الأهداف.
وقد حذرت الحركة بالفعل من أن الدول التي تدخل الحرب ضدها قد تصبح عرضة للرد. ومن الناحية الاستراتيجية، فإن هذا التهديد لا يعني بالضرورة أن اليمن سيمتلك القدرة على نقل الحرب إلى الأراضي الباكستانية، لكن مجرد احتمال استهداف أفراد أو قواعد باكستانية في السعودية يرفع كلفة المشاركة على إسلام آباد.
أما انتقال المواجهة إلى الأراضي الباكستانية نفسها، فسيكون تطورًا مختلفًا جذريًا؛ لأنه قد يحوّل الحرب من ملف خليجي–يمني إلى أزمة إقليمية واسعة، ويضع باكستان أمام خيارات صعبة لا ترغب، على الأرجح، في اختبارها.
وهنا تبرز مفارقة أخرى شديدة الدلالة.
إذا كانت السعودية تحتاج إلى باكستان، فمن يحتاج إلى من؟
قد يبدو السؤال استفزازيًا، لكنه يكشف طبيعة التحولات في ميزان القوة. فالقضية لم تعد مرتبطة بعدد الطائرات التي يمكن إرسالها إلى اليمن، بل بمدى قدرة أي تحالف على فرض إرادته على طرف يمتلك القدرة على الاستمرار في الحرب والاستنزاف.
ومن هنا أيضًا يجب النظر إلى ما يسمى «ميثاق مكة» بوصفه اختبارًا سياسيًا قبل أن يكون اختبارًا عسكريًا. فإذا كان المقصود به بناء منظومة أمن جماعي بين الدول الإسلامية، فإن السؤال الحقيقي هو: هل تتحول هذه المنظومة إلى آلية لحماية الدول الإسلامية من التهديدات الخارجية، أم إلى أداة لتوسيع الحروب داخل العالم الإسلامي؟
هذه نقطة بالغة الخطورة.
فالعالم العربي والعالم الإسلامي يواجهان أصلًا أزمات متعددة: الاحتلال، التفكك السياسي، التبعية الاقتصادية، الصراعات الداخلية، والتدخلات الدولية. وتحويل المزيد من الدول إلى أطراف مباشرة في حرب اليمن قد يؤدي إلى تعميق الاستنزاف بدل بناء قوة إقليمية مستقلة.
والأخطر أن تتحول القوة الإسلامية إلى قوة تستخدم ضد قوى إسلامية أخرى، بينما تبقى القوى الكبرى صاحبة النفوذ الأوسع قادرة على إدارة الصراع من خلف الستار.
أما على المستوى العسكري البحت، فمن الصعب افتراض أن ضربات جوية إضافية ستوقف العمليات اليمنية بصورة نهائية. يمكنها إلحاق خسائر، وتدمير مواقع، وتعطيل بعض القدرات، ورفع كلفة العمليات؛ لكنها لا تضمن القضاء على البنية العسكرية والسياسية والاجتماعية التي تسمح باستمرار الصراع.
وهذا هو الدرس الذي لم تتعلمه المنطقة بما يكفي: الحروب لا تُحسم دائمًا بتكديس الطائرات، بل بتغيير المعادلة السياسية التي تنتج الحرب.
لقد أثبت اليمن أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي عندما يكون الطرف الآخر مستعدًا لحرب طويلة، وقادرًا على التكيّف، ويمتلك جغرافيا صعبة، ودافعًا سياسيًا وأيديولوجيًا للاستمرار.
لذلك، فإن دخول باكستان ــ إذا تأكد ــ لن يكون بالضرورة نقطة تحول في الحرب، بقدر ما سيكون علامة على اتساع دائرة المخاطر.
فكل قوة جديدة تدخل اليمن قد تضيف طائرات، لكنها تضيف أيضًا دولة جديدة إلى قائمة الحسابات والردود والاحتمالات.
وفي النهاية، قد يجد الجميع أنفسهم أمام معادلة عبثية: المزيد من السلاح لا ينتج بالضرورة المزيد من الأمن. وقد تتحول حماية الأمن إلى توسيع دائرة الحرب التي يفترض أن تنهيها.
اليمن، في هذه المعادلة، ليس مجرد هدف جوي. إنه اختبار لقدرة القوى الإقليمية على فهم حدود القوة، وحدود الاستنزاف، وحدود التحالفات.
وإذا كانت السعودية تريد أمنًا مستدامًا، وباكستان تريد تجنب حرب لا مصلحة لها في الغرق فيها، فإن الطريق الأكثر واقعية لا يمر عبر إضافة طائرات جديدة إلى سماء اليمن، بل عبر البحث عن تسوية سياسية تعالج جذور الصراع وتعيد تعريف الأمن الإقليمي على قاعدة المصالح المتبادلة، لا على قاعدة توسيع ساحات الحرب.
فالسؤال في اليمن لم يعد: من يملك الطائرات الأكثر؟ بل: من يستطيع أن يتحمل حربًا أطول؟ ومن يملك القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية؟
وهنا تحديدًا تكمن العقدة التي لم تستطع سنوات الحرب حلّها.
د. نبيلة عفيف غصن