حوار وطني فلسطيني لتأجيل الانتخابات أم لخطّة إنقاذ؟
هاني المصري
رغم بدء تقديم القوائم للانتخابات النيابية الفلسطينية، لا يزال شبح التأجيل مخيمًا، بالتزامن مع التحضير لحوار وطني يبدو أن هدفه الرئيسي توفير الغطاء لهذا التأجيل، وأمامه عراقيل قد تمنع عقده إذا لم يتم ترتيب البيت الفتحاوي واحتواء حركة حماس “الجديدة” في النظام السياسي الفلسطيني. لذا هو بحاجة لكي ينجح إلى تغيير طريقة عقده والمشاركين فيه وأهدافه، حتى لا تتكرر النتائج نفسها، فالذي “يجرّب المجرّب عقله مخرب”. ولكن الوقت المتاح قبل الانتخابات لتحقيق الاتفاق الوطني قصير، وإذا توفر الوعي اللازم والإرادة السياسية المطلوبة يمكن تحقيق المستحيل، لأن التحديات مصيرية وتهدد النظام السياسي بمختلف مكوناته بالانهيار، ولن تنفعه رهانات على الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وعلى متغيرات مجهولة. بل الرهان أولًا على الشعب وقواه الحية. وثانيًا على أنصار القضية الفلسطينية والحرية والعدالة في المنطقة والعالم كله.
نعم، يمكن أن تتشكل بعد الانتخابات في دولة الاحتلال حكومة جديدة، ولكن هذا سيناريو غير مؤكد، وإذا حصل فلن تكون حكومة سلام، ولكنها قد تكون أقل تطرفًا من الحكومة الحالية التي تؤمن بإقامة إسرائيل الكبرى وتغيير الشرق الأوسط، وتعمل على حسم الصراع مع الفلسطينيين، وليس التوصل إلى حل له، وهذا لا يكفي، وليس بديلًا عما يمكن ويجب أن يفعله الفلسطينيون أنفسهم.
يحتاج الفلسطينيون حوارًا وطنيًا جدول أعماله وضع خطة إنقاذ للقضية والأرض والشعب والحقوق، وحتى يتحقق هذا لا بد من تغيير أهدافه وتوسيع قاعدة المشاركين به، بحيث لا يقتصر على الفصائل، بل يشمل ممثلين بما يتناسب مع حجمهم عن المرأة والشباب والشتات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والشخصيات الاعتبارية المستقلة.
وتواجه الانتخابات تحديات خارجية وداخلية. فمن جهة، تعارض الولايات المتحدة، وفق ما نُقل من عدة مصادر، إجراء انتخابات تشمل قطاع غزة قبل تخلي “حماس” عن السلطة ونزع سلاحها وتحولها إلى حزب سياسي، مع إمكانية مشاركتها بعدها بصورة غير مباشرة. كما ترفض إسرائيل إجراء انتخابات فلسطينية من حيث المبدأ، أو تسعى إلى التحكم في شروطها، متذرعة بمشاركة “حماس” التي ترفضها بأشكالها كافة، بينما يرتبط موقفها الأعمق بمشروعها الرامي إلى مواصلة تصفية القضية الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
من جهة أخرى، توجد مخاوف فلسطينية داخلية من نتائج الانتخابات، خصوصًا لدى النخبة الحاكمة التي تخشى من فقدان أوراق القوة والسلطة في ظل حالة الغضب. ومع احتمال تشكل تحالف انتخابي واسع، إذا بقيت أطرافه الحالية أو تغيرت، فهو يضم “التيار الإصلاحي” في حركة فتح و”حماس” والملتقى الوطني الديمقراطي، مدعومًا من “الجهاد الإسلامي” وغيرها، وربما يشارك به الأسير القائد مروان البرغوثي، بعد تغير مكوناته أو بدون هذا التغيير. ومن شأن هذا التحالف، إذا تشكل، أن يغير قواعد اللعبة السياسية وخريطة القوى بصورة كبيرة. لكن المشكلة الأساسية ليست في إجراء الانتخابات من حيث المبدأ، بل في الظروف التي ستُجرى فيها، والقواعد التي ستحكمها، والجهة التي ستستفيد من نتائجها، ومدى قدرتها على إنتاج شرعية وطنية حقيقية. فالانتخابات في أي نظام ديمقراطي ليست مجرّد عملية فنية لصناديق الاقتراع وفرز الأصوات، وإنما وسيلة لتجديد الشرعية، وتجسيد التعددية، وتوحيد الشعب والمؤسسات على أساس الإرادة الشعبية. لذلك، إجراء انتخابات في ظل الاحتلال والانقسام وغياب المشروع الوطني الجامع وبرنامج القواسم المشتركة وأسس الشراكة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، بحيث تتحول الانتخابات من وسيلة لتجديد الشرعية إلى أداة لتكريس الانقسام والواقع القائم، أي تكريس وظيفة السلطة بما هي إدارة للسكان تحت الاحتلال، بدلًا من أن تكون أداة لتغييره.
… أول العقبات وأكبرها أمام أي انتخابات فلسطينية حرّة ونزيهة هي الاحتلال الإسرائيلي نفسه، فهو لا يريد انتخابات تقوي القيادة الفلسطينية وتمنحها شرعية شعبية متجددة، وتعيد توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت قيادة ومؤسسات منتخبة، وتجسد الهوية الفلسطينية الواحدة، بما يمكن أن يفتح الطريق نحو إقامة الدولة الفلسطينية. ومعلوم أن إسرائيل تسيطر عسكريًا على الضفة الغربية، وعلى أجزاء واسعة من قطاع غزة، وعلى المعابر ونقاط العبور، وتمارس الحصار والاقتحامات والإغلاق والاعتقال والاغتيالات، إلى جانب الحرب والتهجير في غزة، والاستيطان والضم التدريجي ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية. كما تمارس ضغوطًا سياسية ومالية وأمنية لإضعاف السلطة الفلسطينية، ودفعها إلى حالة من الضعف تهدد قدرتها على تأدية وظائفها.
وتشكل اعتداءات المستوطنين، والاقتحامات والإغلاقات والحواجز والبوابات قيودًا مباشرة على الحياة اليومية، وعلى إمكانية إجراء انتخابات طبيعية. ويصل عدد الحواجز والبوابات في الضفة إلى نحو 1300، ويمكن إغلاقها في أي وقت، بما يعيق حركة المواطنين والمرشحين والعاملين في الانتخابات. وفي غزة، فقد أدت الحرب ومعها الدمار والنزوح وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء والمفقودين والأسرى إلى ظروف تجعل إجراء انتخابات حرّة أمرًا بالغ الصعوبة، فضلًا عن القيود على حركة المرشحين والناخبين والمواد الانتخابية والمراقبين الدوليين الممنوعين من وصول القطاع. وتتعلق العقبة الثانية بمشاركة “حماس” وباقي القوى السياسية المصنفة من الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول إرهابية.
إذا كان الهدف من الانتخابات تجديد الشرعية وتوحيد النظام السياسي والتعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني، فكيف يمكن أن تكون حرّة إذا مُنع طرف سياسي رئيسي، بل عدة أطراف، من المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟… لا يعني هذا الاتفاق مع برنامج “حماس” أو سياساتها أو معارضتها، وإنما يتعلق بمبدأ ديمقراطي أساسي: حق المواطنين في اختيار من يمثلهم، وحق القوى السياسية في المنافسة، وقبول نتائج الانتخابات أيًا كانت. وينبغي ألا تتحول الشروط التي تضعها بعض الدول والجهات المانحة إلى وسيلة لإقصاء طرف فلسطيني مسبقًا. فإذا كانت هناك مخاوف من برنامج “حماس” أو سلاحها أو مواقفها السياسية، فينبغي التعامل معها من خلال قواعد سياسية وقانونية واضحة، تنطبق على الجميع، تحدد من الفلسطينيين وتستجيب لأولوياتهم ومصالحهم واحتياجاتهم، وليس عبر استبعادها من العملية الديمقراطية استجابة لمطالب خارجية. وتزداد المفارقة وضوحًا عندما تُفرض شروط بضغوط دولية على المرشحين الفلسطينيين تتعلق بالموافقة على منظمة التحرير وبرنامجها والشرعية الدولية، في حين لا تُفرض شروط مماثلة على إسرائيل، رغم ما ارتكبته حكومتها من إبادة جماعية وجرائم وانتهاكات جسيمة. وهنا لا بد من التحذير من أسطورة أن الولايات المتحدة وإسرائيل وأطرافًا إقليمية ودولية أخرى تضغط على السلطة لإجراء انتخابات، فهذا وهم. وحدها أوروبا تريد الانتخابات إرضاءً لشعوبها، ومطلوب منها إذا أرادت انتخابات حرّة أن تضغط على من يعرقل إجراء الانتخابات ويمنعها، وهو الاحتلال وليس السلطة فقط.
… وحدها الانتخابات لا تكفي لإنهاء الانقسام، وقد تتحول إلى أداة جديدة للمغالبة، إذا لم تسبقها تفاهمات وطنية على قواعد اللعبة وأهدافها.
وفي غياب السلطة الفلسطينية عن قطاع غزة، تبرز مشكلة الجهة التي ستشرف على الانتخابات هناك، وقدرتها على إعداد سجل انتخابي موثوق، أو التصرف بنزاهة مع السجل المدني، خصوصًا في ظل الحرب والدمار وأعداد القتلى والمفقودين والأسرى، والنزوح والتغيرات الديموغرافية الكبيرة. كما أن إجراء الانتخابات التشريعية في موعد مختلف عن الانتخابات الرئاسية، في نظام سياسي ذي طبيعة رئاسية عمليًا، قد يؤدي إلى ازدواجية في الشرعية: مجلس تشريعي منتخب إلى جانب رئيس غير منتخب، بدلًا من أن يؤدي إلى تجديد الشرعية وتوحيد المؤسسات.
… لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي، فبحسب ما نُقل عن ميتشار الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، في حديثه مع “حماس”، تعارض الإدارة الأميركية إجراء انتخابات تشمل غزة قبل تخلي حماس عن السلطة ونزع سلاحها، مع إمكانية مشاركتها سياسيًا بصورة غير مباشرة، مع أن “حماس” استعدّت لتطبيق الاتفاق الذي يتضمن تخليها عن السلطة ونزع سلاحها، وحكومة نتنياهو هي التي حالت دون تنفيذه، لجعل يدها حرّة بمواصلة حرب الإبادة والتهجير. ومن أسباب الاعتراض الأميركية أيضًا أن انتخاب مجلس تشريعي يمثل الضفة وغزة سينتج مرجعية فلسطينية منتخبة تتمتع بشرعية شعبية، بما يتعارض مع بعض الترتيبات المقترحة لغزة ويعقّد تنفيذها. والسؤال هنا: هل المطلوب انتخابات فلسطينية لتجديد الشرعية وتوحيد الشعب والمؤسسات، أم انتخابات مصممة مسبقًا لتتلاءم مع ترتيبات سياسية تفرض من الخارج؟ إذا كانت شروط الانتخابات تحدد مسبقًا من يحق له المشاركة ومن يمكنه الفوز وكيفية التعامل مع النتائج، فإنها تفقد جزءًا أساسيًا من معناها الديمقراطي، وتمس المعايير الدولية لإجراء انتخابات حرّة ونزيهة. لكن مسؤولية تهيئة الظروف الديمقراطية لا تقع على الاحتلال والقوى الدولية وحدها، فالسلطة الفلسطينية مطالبة أيضًا بمراجعة القيود السياسية على الترشح، وضمان تكافؤ الفرص بين القوائم والمرشحين. ولا يمكن أن تكون الانتخابات ذات مصداقية إذا استُخدمت موارد السلطة ومؤسساتها وأجهزتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة لمصلحة قائمة سياسية بعينها، بما في ذلك القائمة الرسمية لحركة فتح، فالسلطة القائمة ينبغي أن تكون حكمًا بين المتنافسين، لا طرفًا في المنافسة.
… ليس الحل رفض الانتخابات، كما أن إجراء انتخابات شكلية أو مفصّلة على المقاس، أو تأجيلها إلى موعد محدد أو إلى أجل غير مسمى، ليس حلًا أيضًا. المطلوب هو العمل من أجل انتخابات تحقق غايتها الأساسية: تجديد الشرعية، وإنهاء الانقسام، وإنتاج قيادة تتمتع بثقة شعبية وقادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني ومواجهة الاحتلال وتوفير مقومات الصمود والبقاء. ويتطلب هذا شرطين أساسيين: أولًا: وفاق وطني على قواعد اللعبة وغاية الانتخابات. يجب التوصل إلى حد أدنى من الوفاق على القوانين والقواعد الانتخابية، وعلى أن تكون الغاية من الانتخابات خدمة النضال الوطني لإنهاء الاحتلال، لا تكريس وظيفة السلطة إدارة للسكان تحت الاحتلال، مع التزام مسبق باحترام النتائج وعدم إقصاء أي طرف يقبل بقواعد العملية الديمقراطية. كما يجب الاتفاق مسبقًا على كيفية التعامل مع العراقيل الإسرائيلية، بما في ذلك اعتقال المرشحين أو الناخبين أو الفائزين، ومنع الحركة، أو منع الانتخابات في القدس وغزة والمناطق المصنفة ج، أو مصادرة النتائج كما حدث بعد انتخابات 2006. فالانتخابات لا تكون ديمقراطية إذا كان طرف يستطيع التأثير في نتائجها بالقوة العسكرية.
ثانيًا: ضمانات دولية حقيقية. لا يكفي إرسال مراقبين لمشاهدة عملية الاقتراع. المطلوب ضمانات سياسية وقانونية تضمن إجراء الانتخابات في بيئة حرّة ونزيهة، وتمنع الاحتلال من تعطيلها أو التدخل في نتائجها، وتضمن حرية حركة الناخبين والمرشحين، وعدم اعتقالهم أو اغتيالهم، وعدم مصادرة صناديق الاقتراع أو النتائج. كما يجب أن تتضمن هذه الضمانات آلية واضحة للتعامل مع أي محاولة إسرائيلية لمنع الانتخابات أو إلغاء نتائجها، بما في ذلك ترتيبات انتقالية متفق عليها مسبقًا.
… المشكلة إذن ليست: هل يريد الفلسطينيون انتخابات؟ بل: أي انتخابات نريد؟ ولأي غرض؟ وتحت أي شروط؟ ومن يضمن احترام نتائجها؟ فإذا كانت الانتخابات ستؤدي إلى تجديد الشرعية، وتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس التعددية والشراكة، فهي ضرورة وطنية لا غنى عنها. أما إذا أجريت في ظل إقصاء طرف رئيسي، واستمرار الانقسام، وغياب الضمانات، وسيطرة الاحتلال، واستخدام موارد السلطة لصالح طرف بعينه، وعدم ضمان احترام النتائج، فقد تتحول من وسيلة لتجديد الشرعية إلى وسيلة لتكريس الانقسام والواقع الاحتلالي وواقع السلطة الحالي وإضفاء شرعية شكلية عليه.
لذلك، ليس المطلوب تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، ولا إجراءها بأي ثمن، وإنما تهيئة الحد الأدنى من الشروط السياسية والقانونية والدولية التي تجعلها ممكنة وذات معنى، فالانتخابات الحرّة لا تبدأ من صندوق الاقتراع، وإنما من حق الجميع في المشاركة، وتكافؤ الفرص، وحرية المنافسة والحركة، ومنع تدخل الاحتلال أو السلطة أو أي طرف آخر، والالتزام المسبق باحترام إرادة الناخبين ونتائج الصناديق. ومن دون هذا، ستبقى الانتخابات عاجزة عن تحقيق الغاية التي يحتاجها الفلسطينيون اليوم أكثر من أي وقت مضى: تجديد الشرعية، واستعادة الوحدة الوطنية، وبناء قيادة قادرة على مواجهة الاحتلال، وتوفير مقومات الصمود والبقاء، والدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
