معركة الإسناد: المراجعة التي لا مفرّ منها

حسن علاء الدين

تمرّ الذكرى الثالثة على الحدث الذي هزّ العالم وغيّر مسارات التاريخ والدول، وتمرّ معها ذكرى اتخاذ قرار معركة الإسناد التي ما زالت تداعياتها تتحكّم بالواقع السياسي والميداني في لبنان والمنطقة. إن طول مدّة الأزمة وتداعياتها الثقيلة وضبابية الرؤية دفعت الكثير من المخالفين للمقاومة في لبنان والمؤالفين لها إلى الكلام حول لا بدّية المراجعة الشاملة للمرحلة السابقة برمّتها.

أبعاد المطالبة بالمراجعة

يتناسى البعض أن الحرب لمّا تضع أوزارها، وأن تتالي الأحداث ذات الطابع التاريخي والأثر الاستراتيجي بشكل سريع يفرض نفسه على قراءة المشهد ويجعل إطلاق الأحكام على القرارات التي اتّخذت سابقا بناء على نتائجها الآنية عملا باطلا لا يصحّ، إذ لا تزال نتائج هذه القرارات غير نهائية على الإطلاق. وفي سوريا التي سقطت في بضعة أيام وانتقلت من محور إلى آخر، وفي سقوط الساحل الجنوبي الغربي لليمن وتهاوي تحصينات “فايز الدويري” فيه خير دافع للمرء إلى التأني قبل المسارعة إلى الاستنتاجات وإطلاق الأحكام.

وإذا سلّمنا بضرورة المراجعة بهدف التكيّف مع المتغيّرات وسدّ الثغرات وتصحيح المسارات، فإنه لا يخفى على أريب أن الأعمّ الأغلب ممّن يطالب بالمراجعة لا يقصد بذلك العمل على تغيير تكتيكات المقاومة في الميدان أو عقيدتها الأمنية أو استراتيجيتها العسكرية، بل يريد القول بضرورة التخلّي عن مبدأ المقاومة التي أثبتت -بحسب رأيه- فشلها في صدّ العدوان وتحرير الأرض، ويطالب باللجوء إلى مسارات أخرى تحفظ السيادة وتحرّر الأرض وتحقن الدماء بحسب زعمه.

تجريب المجرّب السوري

إن أوّل ما يطالب به هؤلاء هو التفاوض المباشر كخيار لا بدّ منه وكمسار لا محيص عنه. فالتفاوض المباشر مع عدوّ -بحسب الدستور اللبناني- تحت عباءة الولايات المتحدة الداعم الأول لهذا العدوّ كفيل بتحرير الأرض بحسب الدعاة إلى هذا المسلك. يتجاهل هؤلاء أن سوريا الشقيقة التي طالما دُعينا إلى الاقتداء بها قد سبقتنا إلى هذا المسار وعقدت مفاوضات على أرفع المستويات مع “إسر/ئيل”. كما قدّمت تنازلات لا يستطيع لبنان تقديم ما يماثلها، مثل غضّ الطرف عن احتلال الجولان وطرد إيران من سوريا وقطع طريق إمداد المقاومة في لبنان والقبول بالسيادة الفعلية ال”إسر/ئيلية” على محافظات الجنوب السوري وتقديم ضمانات للأمن ال”إسر/ئيلي”. ولكن ذلك لم يكن كافيا بالنسبة إلى “إسر/ئيل” التي ما زادت إلا تغوّلا وتوغّلا. لماذا تنجح المفاوضات إذا في لبنان المستضعف بعد فشلها في سوريا المدعومة أمريكيا والمحضونة خليجيا والمرعيّة تركيا في تحرير شبر من الأرض أو الحفاظ على سيادة شكلية حتى؟ وماذا يستطيع لبنان أن يقدّم من تنازلات ترضي “إسر/ئيل” عنه مع فشل التنازلات السورية في تحقيق ذلك؟

ماذا عن نموذج الضفة الغربية؟

يتمادى البعض في عتوّه حدّ القول بضرورة التوصّل إلى اتفاقية سلام وتطبيع مع “إسر/ئيل” وإقامة تنسيق أمني بين الحكومتين. ولكن هذا المسار لم ينفع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية التي تخلّت عن الكفاح المسلح منذ اتفاقية أوسلو واعترفت ب”إسر/ئيل”. وتجاوزت ذلك إلى القيام بمهمّة الضابطة العدلية للحكومة ال”إسر/ئيلية” أحيانا في تتبّع من تطلبه “إسر/ئيل” والقضاء عليه ووأد أي تحرّك يهدف إلى طرد الاحتلال أو القيام في وجهه. كل ذلك لم يكن شفيعا للسلطة الفلسطينية عند الحكومات ال”إسر/ئيلية” المتعاقبة التي دأبت على زيادة الاستيطان وتقويض أي مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية والقضم التدريجي للأراضي الفلسطينية وصولا إلى الضمّ العمليّ لأراضي الضفة على مرأى من العالم بأسره.

اليأس سبيل الهلاك

قد يقول يائس إن المقاومة لم تنفع، والمفاوضات بالشكل الحالي سوف لن تنجح، فماذا نفعل إذا؟ فلنسلّم السلاح سحبا للذرائع وإبداء لحسن النية أمام المجتمع الدولي لعلّ ذلك يحرّك المياه الراكدة ويحقن الدماء. ومن حقنا أن نسأل هنا: ماذا فعل المجتمع الدولي أمام جرائم الإبادة والتطهير العرقي المنقولة مباشرة على الهواء طيلة الفترة الماضية؟ وماذا فعل أيضا عند ازدرائه وتقويض مؤسساته وهيئاته من قبل الإدارة الأمريكية؟ ثمّ إن كانت الذريعة وجود السلاح، لماذا لم تنسحب “إسر/ئيل” من المناطق التي احتلتها في الجنوب السوري بعدما دمّرت جلّ ما كانت تمتلكه سوريا من مقدّرات بعد سقوط الحكومة السابقة؟ ولماذا تُمعن في إذلال السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية التي لم تُشهر سلاحا إلا في وجه من يهدّد أمن “إسر/ئيل”؟

إن من يحكم على فكرة المقاومة بالفشل بناء على الانتكاسات والضربات القاسية التي تعرّضت لها المقاومة في لبنان لا يستطيع إنكار نجاحات المقاومة في المراحل السابقة في تحرير الأرض وفرض السيادة وتحقيق الردع. وعليه يكون نجاح المقاومة ممكنا في المستقبل ولو طالت المدّة وكثرت التضحيات إذ إن دليل الإمكان الوقوع. فهل من الحكمة التخلّي عن خيار ممكن النجاح واللجوء إلى خيار محتوم الفشل؟ ولمن يقول “لا بديل عن التفاوض” نقول بناء على التجربة والقياس “بل لا بديل عن المقاومة”.