ي خضم المآزق الوجودية والسياسية التي يحيط فيها بنيامين نتنياهو نفسه، يتحول الحراك الدبلوماسي الخارجي لرئيس وزراء كيان الاحتلال أحياناً من واجهة سياسية إلى غطاء استخباراتي مظلم لإدارة الأزمات عبر “عقيدة هانيبال السياسية”. لعل أبرز تجليات هذا المنهج القائم على الإحراق المتعمد للإقليم للنجاة من السقوط، تمثلت في الكواليس الأمنية التي رافقت زياراته إلى دولة الإمارات؛ حيث حُبكت خيوط “سيناريو الطائرة” المدبر بعناية، ليُشكل فخاً استراتيجياً يستهدف إشعال حرب إقليمية واسعة النطاق، قبل أن يعترض هذا المخطط الشيطاني تدخل ميداني مفاجئ أسقط ساعة الصفر في مهدها.
أولاً: من غرف اللقاءات في الإمارات إلى هندسة الفتنة الإقليمية
لم تكن الزيارات الرسمية لنتنياهو إلى دولة الإمارات مجرد جولات دبلوماسية عادية، بل كشفت التطورات اللاحقة عن كونها محطة استراتيجية حاسمة لترتيب أوراق إقليمية خطيرة:
استغلال الغطاء الدبلوماسي: استُخدمت أجواء الزيارة ومظاهرها السياسية كستار دخاني لتغطية اجتماعات أمنية واستخباراتية مغلقة جرت في الكواليس، تضمنت وضع اللمسات الأخيرة على سيناريوهات “الصدمة الكبرى”.
تنسيق ساعة الصفر: في تلك اللقاءات، رُبط التوقيت الدبلوماسي بالخطط الميدانية الخفية، حيث حُددت لحظة تواجد الوفود والأنظار متجهة نحو الخليج لتكون هي اللحظة المثالية لتنفيذ عملية استهداف الطائرة المفترضة.
اختيار مسرح الجريمة لتوريط الأطراف: كان الهدف من حبكة هذه الخيوط داخل البيئة الخليجية هو زج دول المنطقة في أتون مواجهة مباشرة، وتوجيه أصابع الاتهام بصورة مصطنعة نحو إيران، لخلق ذريعة لا رجعة فيها تخدم أجندة التصعيد الإسرائيلي.
ثانياً: عقيدة هانيبال.. حرق الإقليم للنجاة الشخصية
تتطابق هذه الترتيبات السرية تماماً مع الجوهر الدموي لـ “عقيدة هانيبال السياسية”:
التضحية بالجميع من أجل البقاء: عندما يشعر نتنياهو بأن حبال المحاسبة والانهيار الداخلي قد التفت حول رقبته، لا يتردد في نقل أزماته عبر الحدود، مستعداً لرهن أمن الإقليم بأكمله ويضحي حتى بالاستقرار الإقليمي والدولي في سبيل ضمان بقائه على رأس السلطة.
صناعة “بيرل هاربر” إسرائيلية: إن تفجير طائرة في توقيت محسوب ومقترن بزيارة رسمية كان يهدف إلى استنساخ سيناريو الحادي عشر من أيلول، بحيث يفرض حالة طوارئ وجودية تجبر الحلفاء والشركاء على الانخراط القسري في حرب مفتوحة تحميه من السقوط المحتوم.
ثالثاً: التعطيل الميداني.. كيف أجهض الركاب مؤامرة الكواليس؟
رغم دقة الحياكة الاستخباراتية التي أُعدت في لقاءات الإمارات، ورغم تورط غرف القرار في رسم تفاصيلها الدقيقة، إلا أن الحسابات البشرية على الأرض حملت المتغير الذي لم تضعه تلك المخططات في الحسبان:
الرفض والتدخل الفوري: أدى التدخل الحاسم من قبل الركاب على متن الطائرة إلى قطع الطريق على السيطرة الممنهجة وإحباط محاولة التنفيذ الانتحاري قبل اكتمال فصولها.
شلل أداة الجريمة: هذا التعطيل الميداني لم ينقذ الأرواح فحسب، بل وجه ضربة قاصمة لجوهر المخطط، مسقطاً عنصر المباغتة الذي كانت تعول عليه ماكينة نتنياهو الأمنية.
انكشاف الخديعة: أدى هذا التوقف الإجباري للعملية إلى تفكيك خيوط اللعبة وإظهار طبيعة الترتيبات القذرة التي أُدبرت في الخفاء، ليعود نتنياهو خائباً محاصراً بأزماته الداخلية دون ذريعة الحرب التي خطط لها.
وفي خاتمة المطاف، يتكشف بوضوح أن المخططات التي تعتمد على التضحية بالدماء والهروب إلى الأمام تظل هشة وعرضة للسقوط. فلم يكن إحباط المخطط نتاج ملاحم خارقة، بل جاء نتيجة تدخل بشري مباشر في التوقيت المناسب، متوافقاً مع أقدار وحكمة إلهية أجهضت كارثة محققة. لقد ارتدت خيوط المؤامرة على صانعيها، وبقي نتنياهو محاصراً بأزماته الداخلية، عاجزاً عن تمرير محرقته السياسية، ليبقى الواقع شاهداً على أن حسابات المتهورين غالباً ما تصطدم بعقبات توقف ألاعيبهم وتتركهم عراة أمام مصيرهم.
د. نبيلة عفيف غصن
