بقلم الكاتبة:عفاف فيصل صالح
تتوارى مفردات اللغات، وتقل معاجم البيان، وتخشع هامات الحروف في حضرة مقامٍ استمدّ شموخه من رب العالمين، وغرس جذوره في أعماق أوتاد الأرض ثباتاً وكرامةً وعزاً.الحديث عنك يا سيدي ليس مجرد حروف حبرٍ على ورق، ولا هو بمرثيةٍ عابرة تخطها يد الفقد بل هو احتراق روحٍ بوجدِ الفراق، وتفجّرُ عاطفةٍ يجرف سيلُها دياجير الظلمات.مرّ عامٌ وتلاه عام وساعات الدهر تطوي الأيام طياً، غير أن زفرة الرحيل المُرّة ما زالت تتلظى في جمر الصدور، وحشرجة الشوق تعصر الأرواح في كل أوان.
غاب ذلك الجسد الطاهر والوجه النوراني عن عيون الناظرين، لكنه أشرق في ملكوت الوجدان والأمة شمساً ساطعةً استحال على غياهب الغياب أن تغيبها. رحل القائد الأمين، والأب الحنون، والسيد البار، لكن حبه لم يكن يوماً مجرد عاطفةٍ طارئة، بل هوىً جرى مجرى الدم في الأوردة، ووشماً أبدياً حُفر على صفحات الأرواح، وعشقاً أزلياً يستعصي على محو السنين. إنه الحاضر ورملة الكرامة، ورمز المحور، وسيد شهداء الأمة: سماحة السيد حسن نصر الله (رضوان الله وصلواته عليه).
في سنوية هذا الارتقاء الملائكي والشهادة الكونية العظمى، نقف على أعتاب جرحٍ أدمى قلب الوجود، لا لنستكين للبُكاء ولا لنبكي مجداً بل لنستضيء بدمائه الزكية التي استحالت شهباً تُحرق عروش الظالمين، وأسطولةً من الصمود واليقين تستمد منها الأجيال قوة الثبات. لقد كان ارتقاؤه التضحية العظمى، والشهادة الأسمى التي ختمت سيرةً تميزت بالطهر، ورسمت بالدماء الزكية أسرار الطريق نحو القدس الشريف، لتجعل الشهادة في سبيل العزة أسمى مراتب الحياة وأعظم التجليات.
كيف لا تبكيه القلوب وجداً وشوقاً، وتفيض الأرواح لوعةً وحنيناً، وهو الذي لم يملك قلوب أتباعه بسلطان القوة، بل استعمرها بتواضع المحبة الصافية؟ لم يُطع أمره بالخوف والرهبة، بل أُطيع بالحب الإيماني الذي يذوب في طاعة وليّه. كان نسيجاً وحده في دهرٍ غلب عليه الزيف، وفلتةً ملحمية من فلتات الدهر التي لا يجود بها القدر إلا في أندر لحظات التاريخ وأعظمها. أطلّ على هذه الأمة في زمن الهوان، فبعث في أرجائها روح الصدق، وسكب في شرايينها يقين النصر الإلهي، ورسخ في وجدان الأحرار أن باطل العدو المدجج بالسلاح ماهو إلا وهنٌ كبيت العنكبوت.
لم تكن كلماته حروفاً تقال في المنابر وتسمع بالأذان، بل كانت قبساتِ نورٍ إلهي تهوي مباشرة إلى القلوب فتفعل فيها فعل السحر، فإذا القلوب إذا أحبت محبوبها لبّت ووالت، وإذا أطاعت حرّكت الجوارح نحو الفداء والميدان دون تردد أو وجل.ولأن البيان في حضرة هذه القامة العظيمة يقصر، ولأن الكلمات تضيع أمام عظمة العطاء، يحسن بنا أن نستحضر التوصيف الذي صاغه الباحث والدكتور الفلسطيني سيف عنا، حين غاص في أبعاد هذه الشخصية الاستثنائية وصاغها بكلماتٍ تلامس آفاق الغيب وملكوت الروح، إذ قال(استشهاد السيد حسن نصر الله تحديدًا، كان هو التضحية القصوى، والأقسى والأصعب والأغلى، وأصعب الامتحانات التي ربما مررنا بها، وربما لن نمر بمثلها. لا يمكن، في الحقيقة، أن نجد ما يمكن أن يُقال بحق السيد، لإيفاء قليل من حقه على فلسطين، وعلى الأمة، وعلى الإنسانية.كان السيد، رضوان الله عليه، كما قال الإمام علي في رسالة مالك الأشتر، وهو ما له علاقة بالأوتاد: «والله لو كان جبلًا لكان فِندًا، ولو كان حجرًا لكان صلدًا، لا يتقيه الحافر ولا يوفى عليه الطائر». وكما قال أيضًا الإمام علي عن أمثال السيد الشهيد حسن، سيد شهداء الأمة: «لا أرى مثله بعده أبدًا»).
نعم يا سيدي وريحانة قلوب الأحرار لقد كنت الجبل الأشمّ الذي رُسّخت به أركان هذه الأرض كي لا تميد بأهلها، وكنت الصخرة الصامدة التي تكسرت عليها أمواج الفتن ومؤامرات الخيانة والخراب. أفنيت العمر الشريف في خط الميدان، حاملاً راية الحق، ثائراً في وجه المستكبرين، مضحياً بالمال والولد والنفس والدم حتى أصبحت للمستضعفين ملاذاً، وللمقاومين مناراً، وللإنسانية روحاً تعيد إليها توازنها وكرامتها.رحلت جسداً يا أبا هادي، لكنك زرعت في أمة الأحرار روحاً إلهية لا تسقط ولا تموت، ونهجاً عصياً على الكسر يعبر الأجيال والدهور. لم تكن فرداً، بل كنت أمةً بأكملها، ومدرسةً للبصيرة، وعنواناً للفداء، وعصا موسى التي تلقف ما يفكك أعداء الإنسانية.
في سنوية ارتقائك العظيم ووداعك الإلهي، لا نبكيك بدموع الخنوع ولا بعويل الفقد، بل بنور البصيرة ونضال الأوفياء. نرفع الهامات شامخةً تناطح السحاب، ونقبض بكل ما أوتينا من إيمان على جمر عهدك المقاوم إننا على نهجك السامي سائرون، وبصوتك المدوّي مسترشدون، وعلى طريق المقاومة مجاهدون لا نكل ولا نمل.أقدامنا راسخة في الأرض كأوتاد الجبال، وعيوننا شاخصة نحو قبلة الأحرار، معاهدين الله وروحك الطاهرة ألا نضع أسلحتنا وألا ننكث بيعتنا، حتى يتحقق النصر الموهوب الذي وعدتنا به، أو ننال شرف الشهادة العظمى على طريق القدس الشريف، لنلتحق بركابك الشريف في جنات الخلد مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
#كاتبات_وإعلاميات_المسيرة
