تيك توك ومعركة الرواية
من كسر احتكار الإعلام إلى إعادة تشكيل فضاء الوعي
فاتنة علي _لبنان .
مقدمة: حين خرجت الرواية من غرف الأخبار

لسنوات طويلة، كانت الرواية التي تصل إلى الجمهور العالمي تمر عبر مؤسسات إعلامية محدودة تمتلك القدرة على اختيار الصورة، والعنوان، والضيف، والزمن الذي يُمنح للخبر.

ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتكسر جزءاً من هذا الاحتكار.

لكن تيك توك ذهب أبعد من ذلك؛ فالمستخدم لا يحتاج حتى إلى البحث عن المحتوى أو متابعة صاحبه كي يصل إليه. الخوارزمية هي التي تقرر بصورة واسعة ما يظهر أمامه في صفحة التوصيات.

وهنا حدث التحول الأخطر في معركة الرواية الفلسطينية.

للمرة الأولى أصبح الفلسطيني الموجود تحت القصف قادراً على مخاطبة جمهور عالمي مباشرة، من دون أن ينتظر مراسلاً أجنبياً أو مؤسسة إعلامية أو غرفة أخبار حتى تقرر ما إذا كانت شهادته تستحق البث.

صورة طفل جريح، أم تبحث عن عائلتها، بيت تحول إلى أنقاض، مستشفى مكتظ بالجرحى، أو عائلة تنام في خيمة؛ كل ذلك أصبح قابلاً للانتقال من شاشة هاتف في غزة إلى ملايين الشاشات حول العالم.

وهذا تحديداً يفسر لماذا لم تعد تيك توك مسألة ترفيهية.

إنها أصبحت جزءاً من المعركة على الصورة التي يراها العالم، وبالتالي على الموقف الذي يتشكل في وعيه.


  1. لماذا خافت مؤسسات الكيان من تيك توك؟

المثير هنا أن هذه ليست قراءة فلسطينية فقط.

معهد دراسات الأمن القومي INSS، وهو مؤسسة بحثية إسرائيلية، نشر دراسة بعنوان:

«ليس مجرد رقص: تيك توك والأمن القومي الإسرائيلي»

ووصف المنصة بأنها تشكل تحدياً للكيان في ثلاثة مجالات، من بينها صُورته أمام العالم، واعتبر تيك توك «ساحة معادية بشكل خاص» للكيان، وتحدث عن اتهامات بانحياز المنصة ضد الكيان.

والأهم أن توصيات الدراسة لم تكن تجاهل تيك توك، بل دعت إلى زيادة مراقبة المحتوى وإزالته، ووضع سياسة لاستخدام الجهات الحكومية للمنصة، وتعزيز الحوار مع الشركة ومواصلة التعامل مع التشريعات الغربية المتعلقة بها.

إذن نحن لا نتحدث عن منصة هامشية في نظر مؤسسات الكيان نفسها.

المنصة كانت تُقرأ باعتبارها مشكلة في «المعركة على الصورة».


  1. من قال إن وسائل التواصل «سلاح»؟

في سبتمبر 2025، تحدث بنيامين نتنياهو أمام مؤثرين مؤيدين للكيان في نيويورك عن ضرورة خوض المعركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال إن الأسلحة تتغير مع الزمن، وإن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من أهم أدوات ساحة المعركة.

ثم وصف صفقة تيك توك بأنها:

«أهم عملية شراء تحدث»

وقال إنها يمكن أن تكون ذات أثر كبير على الكيان واليهود.

هذه ليست عبارة عابرة.

فحين يتحدث رئيس حكومة عن منصة رقمية باعتبارها أداة من أدوات المعركة، فهذا يقدم دليلاً مباشراً على أن قيمة المنصة لا تُقاس بعدد مستخدميها فقط، بل بقدرتها على التأثير في المجال الإعلامي والاجتماعي.

وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً:

ماذا يحدث عندما تنتقل السيطرة على البنية التي تحدد ما يراه المستخدمون؟


  1. حجم الحضور الفلسطيني على تيك توك

البيانات المتاحة قبل إعادة الهيكلة أظهرت حضوراً ضخماً للمحتوى الفلسطيني.

دراسة تناولتها واشنطن بوست أظهرت في عينة بحثية أن المحتوى المؤيد للفلسطينيين كان أكبر بكثير من المحتوى المؤيد للكيان، بحيث بلغ تقريباً 17 منشوراً مؤيداً للفلسطينيين مقابل منشور واحد مؤيد للكيان.

وهذه الكثرة لم تكن مجرد إنتاج منظم لمؤسسات إعلامية.

لقد جاءت نسبة كبيرة من المحتوى من ناشطين وصحفيين ومستخدمين عاديين، ومن بينهم فلسطينيون ينقلون ما يشاهدونه من حولهم.

وهكذا أصبحت التجربة الفلسطينية اليومية مادة إعلامية عالمية.


  1. لماذا يمثل هذا المحتوى مشكلة للرواية الرسمية؟

لأن الصورة المباشرة تقلل من المسافة بين الحدث والمتلقي.

في الإعلام التقليدي يمكن أن يصل المشاهد إلى الخبر بعد سلسلة طويلة من الاختيارات والتحرير.

أما في تيك توك، فقد يشاهد المستخدم المشهد الأصلي مباشرة.

وهنا تبرز أهمية ما قام به الناشطون الفلسطينيون.

هم لم يصنعوا الحدث، بل نقلوا الحدث من موقعه إلى شاشة العالم.

ومع انتشار هذه المقاطع، أصبحت الرواية المتعلقة بغزة لا تعتمد حصراً على ما تقوله المؤسسات الرسمية أو القنوات الكبرى.

وبالتالي ظهرت مشكلة أساسية أمام أي طرف يريد الحفاظ على صورة معينة أمام الجمهور:

إذا لم تستطع التحكم في الحدث، فستحاول على الأقل التأثير في طريقة رؤية العالم له.


  1. الدليل الأكثر حساسية: طلبات الحذف الحكومية

في تقرير للمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير، استناداً إلى تقارير الشفافية الخاصة بتيك توك، ورد أن الشركة تلقت خلال النصف الثاني من عام 2023:

260 طلباً من الحكومة الإسرائيلية

شملت:

10,191 قطعة محتوى

و

529 حساباً

وأفاد التقرير بأن 98.2% من هذه المواد والحسابات المعنية بالطلبات أزيلت.

التقرير الأممي لم يحكم على صحة أو عدم صحة كل طلب على حدة، لكنه انتقد بصورة أوسع ما وصفه بالاعتماد على طلبات الدول لإزالة المحتوى، وحذّر من مخاطر الاعتدال غير المتوازن في سياق الحرب.

وهنا تظهر نقطة لا يجوز تجاوزها:

الدولة كانت تطلب إزالة محتوى من المنصة، والمنصة كانت تستجيب لنسبة مرتفعة جداً من تلك الطلبات.

ويمكن من هنا فهم لماذا أصبحت مسألة العلاقات بين الحكومات والمنصات الرقمية جزءاً من معركة الرواية.


  1. المسألة ليست الحذف فقط

المشكلة الأكبر قد تكون في شيء أقل وضوحاً من الحذف.

أن يبقى الفيديو موجوداً، ولكن لا يُدفَع إلى مستخدمين جدد.

أن يكون الحساب موجوداً، لكن يقل ظهوره في التوصيات.

أن يصبح المحتوى «موجوداً» من الناحية القانونية والتقنية، لكنه عملياً أقل قدرة على الوصول.

في منصة تقوم على التوصية الخوارزمية، هذه الفروق ليست تفصيلية.

لأن حذف فيديو يعني أن الجمهور لن يراه.

لكن تقليل التوصية يعني أن الفيديو موجود أمام عدد محدود فقط، بينما يتعذر عليه الوصول إلى الجمهور الذي لم يبحث عنه أصلاً.

وبذلك يمكن التأثير في الرواية من دون الحاجة إلى حذفها بالكامل.


  1. ثم جاءت إعادة الهيكلة الأمريكية

في 22 يناير 2026 تأسست:

TikTok USDS Joint Venture LLC

وهي شركة مشتركة ذات ملكية أمريكية أغلبية، وأُعطيت صلاحيات واسعة تتعلق بعمليات تيك توك في الولايات المتحدة.

بحسب إعلان الشركة الاستثمارية Silver Lake:

الطرف| الحصة
Oracle| 15%
Silver Lake| 15%
MGX| 15%
مستثمرون مرتبطون بمستثمري ByteDance السابقين| نحو 30.1%
ByteDance| 19.9%

كما أصبحت الشركة المشتركة مسؤولة عن حماية البيانات الأمريكية، وأمن الخوارزمية، وسياسات Trust & Safety والإشراف على المحتوى، بينما أصبح لها دور في إعادة تدريب واختبار وتحديث خوارزمية التوصية باستخدام بيانات المستخدمين الأمريكيين.

وهنا تكمن النقطة التي تتجاوز مجرد «بيع حصة».

الذي انتقل ليس المال وحده؛ بل انتقلت معه صلاحيات تتعلق بالبيانات والخوارزمية والإشراف على المحتوى.


  1. من هم أصحاب الحصص المؤثرة؟

من المهم هنا عدم وضع جميع المستثمرين في خانة واحدة، لأن خلفياتهم ليست متطابقة.

لكن هناك حقيقة واضحة بالنسبة إلى أحد الأطراف الثلاثة الذين يشكلون مجموعة المستثمرين الإداريين الأساسية: Oracle.

Oracle أعلنت رسمياً أنها «تقف مع إسرائيل»، وأعلنت بعد 7 أكتوبر عن تبرع بمليون دولار لـMagen David Adom وحملة تبرعات داخل الشركة.

أما مؤسس Oracle ورئيسها التنفيذي السابق والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا الحالي لاري إليسون، فقد قدم في عام 2017 مبلغ 16.6 مليون دولار إلى منظمة Friends of the Israel Defense Forces، وكان ذلك أكبر تبرع منفرد في تاريخ المنظمة في ذلك الوقت، وقال في المناسبة إنه يدعم الجنود الذين «يدافعون عن وطننا».

إذن توجد بالفعل صلة موثقة بين أحد أهم المستثمرين الإداريين في الهيكل الجديد وبين دعم الكيان ومؤسساته العسكرية من خلال تبرعات معلنة.

لكن لا يصح تحويل هذه الحقيقة وحدها إلى دليل على أن كل قرار خوارزمي في تيك توك يصدر لخدمة الكيان.

الاستنتاج الأدق هو أن:

الخلفية السياسية لبعض أصحاب النفوذ في الهيكل الجديد تجعل مسألة استقلال قرارات الإشراف والخوارزمية قضية تستحق رقابة أكبر، خصوصاً عندما تكون القضية الفلسطينية من أكثر الملفات حساسية سياسياً على المنصة.


  1. تعيين إيريكا ميندل: لماذا أثار الانتباه؟

في يوليو 2025، عيّنت تيك توك إيريكا ميندل في منصب:

Public Policy Manager, Hate Speech

وبحسب الوصف المنشور للوظيفة، تشمل مسؤولياتها وضع سياسات الشركة المتعلقة بخطاب الكراهية، والاستراتيجيات طويلة المدى، ومراقبة المحتوى، وتحليل اتجاهات خطاب الكراهية، مع تركيز على المحتوى المعادي للسامية.

لكن خلفيتها هي التي جعلت التعيين أكثر حساسية:

فهي مجندة سابقة في الجيش الإسرائيلي، وعملت في American Jewish Committee، ثم عملت ضمن وزارة الخارجية الأمريكية في ملف مكافحة معاداة السامية.

المسألة هنا ليست اتهامها شخصياً بحذف المحتوى الفلسطيني.

المسألة الأهم هي:

من يساهم في تعريف «خطاب الكراهية» داخل منصة تتحكم في وصول مئات الملايين من المستخدمين إلى المعلومات السياسية؟

وخاصة عندما تتقاطع هذه السياسة مع ملف شديد الحساسية مثل فلسطين، حيث يوجد خط فاصل يحتاج إلى تعريف دقيق بين:

النقد السياسي للكيان،
الخطاب المتعلق بالصهيونية،
معاداة السامية،
التحريض على العنف،
والخطاب الذي يستهدف اليهود على أساس ديني أو عرقي.

ومن يضع هذا التعريف يمتلك تأثيراً على حدود ما يمكن أن يُسمح له بالانتشار.


  1. لماذا تصبح كلمة «الخوارزمية» أكثر أهمية من كلمة «الحذف»؟

لأن السلطة الحقيقية في تيك توك ليست فقط في زر الحذف.

إنها في الترتيب.

أي محتوى سيظهر أولاً؟

أي حساب سيصل إلى أشخاص لا يتابعونه؟

أي فيديو سيدفعه النظام إلى مئات الآلاف؟

وأي فيديو سيبقى محصوراً داخل دائرة صغيرة؟

لهذا السبب فإن انتقال صلاحية إدارة خوارزمية التوصية وأمنها إلى الهيكل الأمريكي الجديد يمثل تطوراً استراتيجياً في معركة الرواية.

فالمعادلة أصبحت:

السيطرة على المحتوى → قدرة على التأثير في ظهوره

السيطرة على الخوارزمية → قدرة أكبر على التأثير في انتشاره

والاثنان معاً أكثر أهمية من مجرد حذف منشورات منفردة.


  1. ماذا حدث للرأي العام؟

هنا نصل إلى النتيجة الأوسع التي لا يمكن تجاهلها.

بيانات Pew Research Center المنشورة في يوليو 2026 تظهر تغيراً كبيراً في المواقف الأمريكية تجاه حكومة الكيان.

النظرة السلبية إلى حكومة الكيان

السنة| النسبة
2022| 43%
2024| 51%
2025| 59%
2026| 62%

أي أن نسبة الأمريكيين الذين عبّروا عن نظرة سلبية إلى الحكومة ارتفعت 19 نقطة مئوية مقارنة بعام 2022.

أما بين الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، فقد كانت الصورة أكثر وضوحاً:

58% لديهم نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين،

مقابل

32% لديهم نظرة إيجابية إلى الإسرائيليين.

كما كانت النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية بين هذه الفئة العمرية 18% فقط.

الرسم البياني

النظرة السلبية إلى حكومة الكيان

2022 █████████████████████ 43%

2024 █████████████████████████ 51%

2025 █████████████████████████████ 59%

2026 ███████████████████████████████ 62%

هذه الأرقام لا تثبت أن تيك توك وحده صنع التحول.

لكنها تثبت أن البيئة الإعلامية التي تشكلت فيها هذه المواقف تغيرت بصورة كبيرة، وأن القضية الفلسطينية أصبحت تصل إلى أجيال تتلقى جزءاً مهماً من معلوماتها عبر المنصات الاجتماعية.


  1. لماذا لا يمكن تجاهل جيل الشباب؟

لأن المعركة الإعلامية لا تتعلق فقط بجمهور اليوم.

بل بمن سيحدد الثقافة والسياسة والإعلام في المستقبل.

وعندما تكون منصة موجهة بقوة إلى الأجيال الأصغر، فإن السيطرة على قواعد توصيتها والإشراف على محتواها تصبح مسألة تتجاوز الأرباح التجارية.

ولهذا اكتسب تيك توك قيمة سياسية وإعلامية غير مسبوقة في سياق القضية الفلسطينية.

الرواية التي تصل إلى الشاب اليوم قد تصبح الذاكرة السياسية التي يحملها معه غداً.


  1. هل يمكن القول إن ما يحدث هو «حجب للرواية الفلسطينية»؟

هنا يجب أن نحدد معنى الكلمة.

إذا كان المقصود:

وجود توجه أو ضغوط مؤسسية تهدف إلى تقليل انتشار بعض أنواع المحتوى الفلسطيني أو إعادة ضبط حدود ما يعتبر مقبولاً على المنصة،

فهناك وقائع جدية تبرر فتح هذا التحقيق:

طلبات حكومية إسرائيلية واسعة لإزالة المحتوى،
نسبة استجابة مرتفعة لهذه الطلبات،
اعتراف مؤسسات في الكيان بأن تيك توك يمثل مشكلة استراتيجية للصورة الدولية،
دعوة هذه المؤسسات إلى مراقبة المحتوى وتعزيز الحضور الحكومي،
تصريحات مباشرة من نتنياهو حول أهمية وسائل التواصل وتحديداً صفقة تيك توك،
تعيين شخصية ذات خلفية عسكرية وأمنية ومهنية مرتبطة بملف معاداة السامية في منصب حساس للسياسات،
ثم انتقال صلاحيات مهمة بشأن الخوارزمية والإشراف إلى الهيكل الأمريكي الجديد.

هذه الوقائع مجتمعة تجعل فرضية إعادة ضبط البيئة الرقمية بما يحد من قدرة الرواية الفلسطينية على الوصول إلى جمهور جديد فرضية بحثية جدية، وليست مجرد فكرة عابرة.

لكن الفرق بين التقرير القوي والتقرير الدعائي هو أن التقرير القوي لا يقفز من «القرائن» إلى ادعاء وجود أمر مباشر لا يملك وثيقته.


  1. المعركة الحقيقية لم تعد على حذف الفيديو

المعركة أصبحت على شيء أعمق:

من يملك حق تعريف المحتوى المقبول؟

من يضع قواعد التوصية؟

من يملك بيانات المستخدمين؟

من يقرر ما إذا كان الفيديو يستحق الانتشار؟

ومن يحدد أين ينتهي خطاب التضامن مع فلسطين ويبدأ خطاب الكراهية؟

هذه الأسئلة هي جوهر القضية.

فالسيطرة الرقمية الحديثة لا تحتاج دائماً إلى إغلاق فم صاحب الرواية.

يكفي أحياناً أن تجعل صوته أقل وصولاً.


  1. المفارقة الكبرى

المفارقة أن التطور الذي جعل الرواية الفلسطينية أكثر حضوراً عالمياً هو نفسه الذي جعل المنصة أكثر أهمية في الحسابات الاستراتيجية للكيان.

في البداية:

فلسطيني يصور → تيك توك ينشر → العالم يشاهد.

ثم أصبحت المعادلة محل اهتمام مؤسسات ودول:

من يدير المنصة؟

من يدير الإشراف؟

من يتحكم في الخوارزمية؟

من يضع تعريف خطاب الكراهية؟

وهنا انتقل الصراع من محاولة السيطرة على الصورة نفسها إلى محاولة التأثير في البنية التي تنتج انتشار الصورة.


الخلاصة

ما جرى مع تيك توك لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد صفقة اقتصادية.

المنصة تحولت إلى واحدة من ساحات الصراع الكبرى على الوعي.

والقضية الفلسطينية كانت من أكثر القضايا التي استفادت من انهيار احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية للرواية؛ إذ تمكن الناشطون والصحفيون والمواطنون الفلسطينيون من إيصال صور وشهادات مباشرة إلى جمهور عالمي واسع.

وفي المقابل، تظهر الوثائق والتصريحات أن مؤسسات في الكيان تعاملت مع تيك توك باعتبارها ساحة استراتيجية تؤثر في صورته الدولية، وأن نتنياهو نفسه ربط وسائل التواصل بمعركة الصراع ووصف صفقة تيك توك بأنها شديدة الأهمية.

ثم جاء التحول الأكبر:

إعادة هيكلة عمليات تيك توك في الولايات المتحدة، ونقل صلاحيات مهمة في الإشراف والخوارزمية والبيانات إلى مشروع مشترك ذي ملكية أمريكية أغلبية.

وفي هذا الهيكل يوجد لاعب بارز هو Oracle، صاحبة الموقف المعلن المؤيد للكيان، ومؤسسها لاري إليسون صاحب التبرع الكبير لمنظمة داعمة لجنود الجيش الإسرائيلي.

وفي الوقت نفسه، جاءت إلى موقع حساس في سياسة خطاب الكراهية شخصية ذات خلفية عسكرية إسرائيلية ومسار مهني في ملفات مكافحة معاداة السامية.

وبين هذه التحولات كلها يقف سؤال واحد:

هل أصبح الصراع على الرواية الفلسطينية ينتقل من محاولة منعها بعد انتشارها إلى محاولة التحكم بالبنية التي تحدد مدى انتشارها أصلاً؟

هذا السؤال هو جوهر القضية.

ولذلك فإن أخطر ما في قصة تيك توك ليس فيديوً حُذف.

الأخطر هو الخوارزمية التي قد تقرر من سيشاهد الفيديو أصلاً.

وفي عصر أصبحت فيه الصورة أقوى من البيان، والشهادة المباشرة أسرع من نشرات الأخبار، فإن التحكم في الوصول إلى الصورة يصبح جزءاً من التحكم في الرواية نفسها.

أما الأرقام، فهي تقول إن شيئاً كبيراً تغير فعلاً في البيئة التي يُنظر من خلالها إلى القضية الفلسطينية والكيان في الولايات المتحدة، ولا سيما لدى الأجيال الأصغر. وهي نتيجة لا يمكن نسبها إلى تيك توك وحدها، لكنها تجعل الصراع على المنصة وعلى قواعدها السياسية والخوارزمية مسألة تستحق تدقيقاً أكبر بكثير من التعامل معها باعتبارها مجرد تطبيق ترفيهي.

المصادر الرئيسية

INSS — «Not Just Dances: TikTok and Israel’s National Security».

الأمم المتحدة — تقرير المقررة الخاصة بشأن حرية الرأي والتعبير في سياق حرب غزة وطلبات إزالة المحتوى.

Silver Lake — الإعلان الرسمي عن تأسيس TikTok USDS Joint Venture LLC وهيكل الملكية والصلاحيات.

Pew Research Center — اتجاهات الرأي العام الأمريكي تجاه حكومة الكيان والفلسطينيين والأجيال الشابة، يوليو 2026.

Jewish Insider — تصريحات نتنياهو بشأن وسائل التواصل وصفقة تيك توك.

Jerusalem Post — تعيين إيريكا ميندل وخلفيتها المهنية ومهام منصبها.

Jewish Telegraphic Agency / Times of Israel — تبرع لاري إليسون لمنظمة Friends of the Israel Defense Forces.

Oracle — إعلان الشركة الرسمي عن تضامنها مع الكيان والتبرعات التي قدمتها بعد 7 أكتوبر.