​حين يصبح رغيف الخبز وقطرة الوقود أسلحة في حرب إبادة اقتصادية تُدار من غرف مظلمة، وحين يُشرّع النهب الموصوف بقرارات حكومية ومظلات خارجية، فلا تسأل عن أسباب الانهيار، بل افتح عينيك على عصابة أوليغارشية ترتدي مسوح الدولة! إن ما يعيشه لبنان اليوم ليس مجرد أزمة مالية عابرة أو سوء إدارة ناتج عن الصدفة، بل هو جريمة مكتملة الأركان تُحاك خيوطها بليل بين كارتيلات النفط المتوحشة وسلطة سياسية ارتهنت بالكامل للخارج. مليار دولار سنويًا تُنهب بوحشية من جيوب اللبنانيين المقهورين، لا عجزاً، بل ضمن هندسة شيطانية متقنة ترعاها وصاية أمريكية وخليجية، هدفها الأسمى تركيع الوطن، وتدمير ما تبقى من مقومات اقتصاده الوطني، ودفع شعبه الأبي إلى درك الخنوع والخضوع الاستسلامي التام.
​ انسحاب الدولة المخزي وتسليم السوق لـ “الأوليغارشية”
​تتحمل الدولة اللبنانية، بأجهزتها ووزاراتها المتعاقبة، المسؤولية التاريخية الكبرى والجنائية في هذه الجريمة الاقتصادية المستمرة. فبدلاً من أن تقوم بدورها السيادي والاجتماعي في حماية الأمن الطاقي للمواطنين، تخلت الدولة تماماً عن دورها التاريخي في استيراد المشتقات النفطية والسيادية، لتترك السوق برمتها لقمة سائغة بيد “تجمع الشركات المستوردة للنفط”.
​وعلى الرغم من أن هذا التجمع يضم ظاهرياً نحو 12 شركة، إلا أن الواقع الاحتكاري للسياسات السوقية يحصر اللعبة العملية برمتها بيد خمس شركات كبرى تسيطر سيطرة مطلقة على مفاصل الاستيراد والتخزين والتوزيع. هذه الشركات لا تتبنى معايير المنافسة الحرة التي تقتضيها الأسواق السليمة، بل تكرس نموذجاً كارثياً من “الاحتكار المشترك” (Oligopoly)، حيث تُتخذ القرارات بشكل منسق وخفي، لدرجة أن البحر اللبناني يشهد أحياناً وصول باخرة نفط واحدة لتقسيم حمولتها وتوزيعها على هذه الشركات وكأنها حصص في تركة موروثة، في غياب تام لأي رقابة فعلية من أجهزة حماية المستهلك أو وزارة الاقتصاد.
 هندسة الأسعار.. “جدول تركيب الأسعار” كأداة تشريعية للنهب
​لا تستند هذه الكارتيلات إلى قوى العرض والطلب العشوائية، بل تعتمد على منظومة تشريعية وإدارية مفصلة على قياس أرباحها، عنوانها الأبرز “جدول تركيب الأسعار” الصادر عن وزارة الطاقة والمياه والذي يحظى بمصادقة ودعم رسمي مستمر.
​قواعد مصممة للربح الفاحش: هذا الجدول ليس سوى أداة هندسية ماكرة لضمان تدفق الأرباح الهائلة للشركات بغض النظر عن حالة السوق أو قدرة المواطن الشرعية.
​تغليب الوهم على الواقع: لا يتم احتساب تكلفة الاستيراد بناءً على السعر الفعلي لبرميل النفط في المرفأ ساعة الشراء، بل يتم الاعتماد على الأسعار الواردة في نشرة “بلاتس” العالمية لفترة خمسة عشر يوماً سابقة، وهو ما يتيح لهذه الشركات تحقيق هوامش ربح خيالية عندما تكون الأسعار في مسار تصاعدي.
​أرقام الاستهلاك الفلكية: في بلد استهلاكه السنوي الضخم يبلغ نحو 250 مليون صفيحة مازوت و150 مليون صفيحة بنزين، كانت الأرباح الطبيعية المقدرة لهذه الشركات تحوم حول 250 مليون دولار سنوياً، وهي أرباح ضخمة بحد ذاتها، لكنها تحولت إلى فجوة جهنمية مع تفاقم الأزمات.
​ من يمتلك كارتيلات النفط؟ شبكة المصالح العائلية والسياسية
​إن السؤال الجوهري الذي يتهرب الجميع من الإجابة عنه، والذي يشكل عقدة اللغز في الاقتصاد اللبناني: من يمتلك هذه الشركات؟
​إن قطاع استيراد وتوزيع المحروقات في لبنان لم يكن يوماً قطاعاً مفتوحاً أمام المستثمرين الجدد، بل هو قلعة مغلقة ومحصنة بأنساب عائلية تاريخية وتحالفات سياسية عميقة مع أقطاب السلطة الحاكمة. تتوزع حصص الشركات الكبرى ضمن تجمع الشركات المستوردة (APLI) على عائلات تجارية تقليدية ترتبط بعرى وثيقة وزيجات مصاهرة وشراكات خفية مع قيادات سياسية وحزبية نافذة في مختلف الحكومات المتعاقبة.
.1 ​الاحتكار العائلي – السياسي: إن أسماء عائلات ومجموعات تجارية مالكة لشركات توزيع واستيراد المحروقات تحظى بحماية سياسية عابرة للطوائف والمحاور.
.2 ​المنظومة العابرة للحكومات: إن بقاء وزير الطاقة أياً كان انتماؤه السياسي عاجزاً عن تعديل جدول تركيب الأسعار أو فتح باب المنافسة أمام شركات جديدة يفسره تماماً هذا التشابك العضوي؛ فالشركات الكبرى ليست سوى واجهة تجارية لشركاء خفيين من رموز النظام السياسي والمالي اللبناني.
.3 ​شلل المؤسسات الرقابية: إن أي محاولة لفتح ملفات احتكار النفط اصطدمت دوماً بخطوط حمراء سياسية، لأن المساس بهؤلاء العمالقة يعني بالضرورة قطع شريان تمويل أساسي لشبكات الزبائنية السياسية والانتخابية.
​ الرعاية الإقليمية والدولية (الخليجية والأمريكية).. الوجه الخفي لتدمير الاقتصاد وإركاع الوطن
​لا يمكن فهم استمرارية هذه المنظومة الافتراسية بمعزل عن المظلة السياسية والجيوسياسية التي تحيط بها. فالسلطة السياسية القائمة في لبنان، والتي تؤمن الغطاء والحماية القانونية والأمنية لهذه الكارتيلات، ليست سوى حلقة في مشروع أكبر ترعاه وتدعم بقاءه عواصم إقليمية ودولية، وتحديداً الدوائر الغربية والأمريكية ومحاور الإقراض الخليجية.
​إن هذا الدعم السياسي الخارجي الممنوح لأركان السلطة ليس مجاناً، بل يهدف بوعي أو بتواطؤ خطير إلى تدمير بنية الاقتصاد اللبناني الوطني وإفقار مقومات صموده، لكي يظل البلد غارقاً في أزماته الوجودية. الغاية الاستراتيجية من ورای هذا الخنق الممنهج هي دفع الشعب اللبناني ومؤسساته نحو حالة قصوى من الخنوع، الخضوع، والاستسلام السياسي، وكسر الإرادة السيادية للبلد عبر تجويعه وترويعه اقتصادياً. حين تُترك كارتيلات النفط تعبث بلقمة عيش المواطنين وتنهب المليارات بضوء أخضر رسمي، وحين تعجز الدولة عمداً عن إيجاد أي حلول بنيوية، فإن الهدف المبطن هو إيصال المجتمع إلى مرحلة الكفر بالوطن والدولة، ليقبل صاغراً بأي املاءات خارجية أو تسويات تقضي على ما تبقى من سيادة واستقلال اقتصادي.
​ استغلال الحروب والأزمات.. جشع مضاعف على حساب الدم
​لم تكتفِ هذه الكارتيلات بما تجنيه في الأوقات العادية، بل وجدت في الحروب والأزمات الإقليمية والمحلية فرصة ذهبية لمضاعفة أرباحها بشكل فاحش وغير أخلاقي. فمنذ اندلاع الأزمات المتتالية وتصاعد التوترات العسكرية وصولاً إلى حرب شهر آذار وما رافقها من قفزات في أسعار الطاقة عالمياً، سارعت هذه الشركات إلى:
​رفع الأسعار بوحشية: فرض زيادات على أسعار بيع المازوت والبنزين محلياً تتجاوز بأضعاف مضاعفة نسبة الارتفاع الفعلي لأسعار النفط في الأسواق العالمية.
​سياسة الاتجاه الواحد: عندما ترتفع الأسعار عالمياً، تسارع الشركات إلى رفعها محلياً في غضون ساعات، أما عندما تنخفض الأسعار عالمياً، فتتعمد هذه الشركات “العمياء” عدم خفض الأسعار محلياً لا بالنسبة ولا بالسرعة المطلوبة، محتفظة بفوارق الأسعار الهائلة في جيوب مالكيها.
​هذه الممارسات الاستغلالية البحتة مكنت الكارتيلات من جني أرباح خيالية تجاوزت حتى الآن سقف 750 مليون دولار، مع توقعات موثقة بأن تلامس أرباحها الاستثنائية عتبة المليار دولار مع نهاية العام الجاري.

​إن الحقيقة الساطعة التي لم يعد يجدي معها أي تجميل هي أن هذه السلطة السياسية ليست سوى واجهة ذليلة وأداة وظيفية لتنفيذ أجندة الإركاع والتجويع، وأن كارتيلات النفط ما هي إلا صناديق سوداء تُموّل منظومة العمالة والارتهان. إن رهان رُعاة النظام في واشنطن وعواصم الخليج على إيصال المواطن اللبناني إلى مرحلة الكفر بوطنه ليرضى بالاستعباد، يغفل حقيقة تاريخية أزلية: إن الشعوب التي تُحاصر في لقمة عيشها وكرامتها لا تلد إلا العواصف. فحتى تتهاوى هذه المنظومة الاستغلالية على رؤوس أصحابها، سيبقى السؤال المدوي معلقاً في سماء بلد مسلوب الإرادة: إلى متى تبقى مقدرات شعب بأكمله رهينة لعصابة داخلية ووصاية خارجية؟ 
د. نبيلة عفيف غصن