قال الكاتب والمحلل السياسي عمر رحال إن ما تبقى من اتفاق أوسلو بعد 33 عامًا هو “الاسم والمؤسسات”، بينما تراجع مضمونه السياسي بصورة كبيرة.

وأكد رحال في مقال أن الاتفاق الذي صُمم أساسًا كمرحلة انتقالية لخمس سنوات لم يؤدِ إلى إقامة الدولة الفلسطينية أو حسم قضايا الحل النهائي.

وأوضح رحال أن الاتفاق لم ينص صراحة على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فيما بقيت قضايا القدس والحدود واللاجئين والاستيطان والمياه مؤجلة إلى مفاوضات الحل النهائي، التي تعثرت دون أن تنهي المرحلة الانتقالية.

وأشار إلى أن الاحتلال يتعامل مع أوسلو بصورة انتقائية، ويتمسك ببعض بنوده وترتيباته الأمنية عندما تكون في مصلحته، بينما يتنصل منها عندما تتعارض مع سياساته.

واستشهد بتصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي وصف أوسلو بأنه “خطأ رهيب”، وبمواقف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الداعية إلى إنهاء الاتفاق وتقويضه.

وقال إن واقع الضفة الغربية يعكس تراجع مضمون الاتفاق، موضحًا أن تقسيمات المناطق إلى “أ، ب، ج” فقدت عمليًا جزءًا كبيرًا من مضمونها، فيما المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية عرضة لإجراءات الاحتلال، وتراجعت حرية الحركة والتنقل.

وأكد رحال أن السلطة الفلسطينية تمتلك مؤسسات ووزارات وموازنات، لكنها لا تملك السيطرة على الأرض أو الحدود أو الموارد أو الحركة، ولا على المدن بما فيها القدس، معتبرًا أن وجود مؤسسات السلطة لا يعني امتلاكها سيادة فعلية.

وأضاف أن الاحتلال استغل السنوات الـ33 الماضية لفرض وقائع جديدة على الأرض عبر الاستيطان ومصادرة الأراضي، وما رافق ذلك من اعتقالات وسقوط شهداء وجرحى ومفقودين، وفق قوله.

ورأى رحال أن أوسلو لا يزال قائمًا من الناحيتين القانونية والسياسية، لكن من دون أفق سياسي يمكن الاستناد إليه لإنهاء الصراع أو الخروج من حالة الانسداد.

لا إمكانية لترميم أوسلو

وحول إمكانية ترميم الاتفاق، قال رحال إنه لا يرى، في ظل المعطيات الحالية، إمكانية لترميم أوسلو أو عودة إسرائيل إلى طاولة المفاوضات استنادًا إليه، معتبرًا أن “إسرائيل” تتجه، على العكس، نحو تقويض أوسلو والسلطة الفلسطينية.

وأضاف أن العودة إلى عام 1993 أصبحت مستحيلة، ليس فقط بسبب التغيرات الجغرافية، وإنما أيضًا نتيجة التحولات السياسية وتغير موازين القوى.

وأشار إلى أن المواقف الإسرائيلية، بمختلف توجهاتها، لا تُظه، اعترافًا بالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني، بما فيها حق تقرير المصير وعودة اللاجئين وإقامة دولة فلسطينية.

وأكد رحال أن إسرائيل، بدل العودة إلى مسار التسوية، تمضي في سياسات تقوم على إزاحة الفلسطينيين والسيطرة على الأرض وتحويل المدن والمحافظات الفلسطينية إلى معازل، مع ممارسة ضغوط باتجاه حشر الفلسطينيين فيها، وصولًا إلى احتمال التهجير وإنهاء الوجود الفلسطيني.
ووصف ما جرى خلال 33 عامًا بأنه لم يعد مجرد تصدعات في اتفاق أوسلو، وإنما “انهيارات” متواصلة ومتراكمة، معتبرًا أن السياسات الإسرائيلية الحالية تؤكد استمرار مسار إفراغ الأراضي الفلسطينية من مضمونها السياسي وإنكار الحقوق الوطنية للفلسطينيين.

تقديرات السلطة خاطئة

وفي تقييمه لما استفاد منه الفلسطينيون من أوسلو، أوضح رحال أن القيادة الفلسطينية كانت ترى في البداية أن الاتفاق يمكن أن يشكل نواة ونقطة ارتكاز لتحقيق مشروع الدولة الفلسطينية ودفع المشروع الوطني إلى الأمام.

وقال إن هذه التقديرات كانت خاطئة، مضيفًا أنه إذا جرى تقييم التجربة عبر مراجعة وطنية علمية وموضوعية بعيدًا عن منطق المعارضة، فإن الفلسطينيين، وفق تقديره، “خسروا أكثر مما استفادوا”.

وأكد رحال أن اتفاق أوسلو ساهم في إعفاء إسرائيل، أمام المجتمع الدولي، من مسؤولياتها كدولة قائمة بالاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني، مستندًا إلى اتفاقية جنيف الرابعة.

وأشار إلى رسالة الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى رئيس حكومة الاحتلال إسحق رابين في 9 سبتمبر/أيلول 1993، والتي اعترف فيها بحق إسرائيل في الوجود، معتبرًا أن ذلك ساهم في انفتاح العلاقات الدولية والعربية مع إسرائيل.

وأضاف أن “إسرائيل” أقامت لاحقًا علاقات وسفارات مع دول مثل الصين وروسيا وفيتنام ودول كانت لا تقيم معها علاقات دبلوماسية، إلى جانب توسع علاقاتها التجارية والسياسية والدبلوماسية دوليًا.
//
وفي المقابل، يرى رحال أن الاستيطان ازداد بصورة كبيرة بعد توقيع أوسلو، إلى جانب ارتفاع أعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين والمبعدين، وتوسع البؤر الاستيطانية وتهويد القدس وتقييد حرية الحركة والتنقل.

واعتبر أن الفلسطينيين واجهوا بعد الاتفاق إجراءات وسياسات احتلالية لم تكن موجودة قبل أوسلو بهذا الحجم، مؤكدًا أن هذه الوقائع تجعل الاتفاق، في ميزان الربح والخسارة، أقرب إلى “خديعة” يدفع الفلسطينيون ثمنها اليوم في الأراضي المحتلة وفي الشتات.

المصدر: الشاهد