كلمة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الرفيق حنا غريب في الذكرى الـ44 لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية
صيدا – ساحة الشهداء

الرفيق النائب أسامة سعد، النائبان إلياس جرادة وشربل مسعد، ممثلو الأحزاب السياسية اللبنانية والشخصيات الوطنية والهيئات الاجتماعية والإخوة ممثلو الفصائل الفلسطينية الرفيقات والرفاق والإخوة، الحضور الكريم
استدعت الظروف المصيرية التي يمرُّ بها لبنان، والخطرُ المحدِق بالجنوب وأهلِه، أن نحييَ الذكرى الرابعةَ والأربعين لانطلاقة جبهة المقـ.ـاومـ.ـة الوطنية اللبنانية، هنا في صيدا عاصمةِ الجنوب، نحن والرفاقُ في التنظيم الشعبيّ الناصريّ. فمن رمزية المكان، من ساحة الشهداء نوجه تحية إكبار وإجلالٍ لروح الشهيد القائد معروف سعد، ولأرواح من أعلنوا نداء جمّول الرفيق الشهيد جورج حاوي ورفيقه محسن إبراهيم وإلى من أطلق رصاصاتِها الأولى الرفيق مازن عبود. فإلى شهداء جمّول وجرحاها وأسراها وكل شهداء شعبنا ومقاوميه من القوى السياسية اللبنانية كافّة، تحية، موصولة لشهداء صبرا وشاتيلا وكلِّ شهداء فلسطين ومقاوميها أينما سقطوا في مواجهة الاحتلال والعدوان الصهيوني المتوحش.
الحضورُ الكريم
يتّضح المشهدُ الميدانيُّ والسياسي والاقتصادي الاجتماعي في لبنان تحديدًا على النحو الآتي:
أولًا: في الميدان هناك عدوٌ صهيوني يحتل أجزاءً كبيرة من الجنوب ويتوسّع ويرتكب جرائمَ القتلِ والتدمير والتهجير بحق أهلنا في الجنوب في ظل عدم قدرة مقاومي حزب الله على إيقاف اجتياحه المدعوم أميركيًّا رغم كل ما بذلوه من بسالة وتضحيات وما قدّمه أهلنا في الجنوب من دماء ومعاناة معيشية التزامًا بوطنيتهم وتمسكهم بأرضهم والدفاع عنها.

ثانيًا: وصولُ المفاوضاتِ المباشرةِ التي أقدمت عليها السلطة السياسية مع العدو الصهيوني إلى الفشل، إنْ لم تحقّق شيئًا رغم كل التنازلات التي قدّمتها الحكومة للعدو من خلال توقيع اتفاق الإطار المرفوض. فلم يضمن هذا الاتفاقُ للبنانَ وجنوبِه وقف العدوان والانسحاب من دون قيد أو شرط حتى خط الهدنة عام 1949 وتأمين عودة السكان والشروع في إعادة الإعمار وتحرير الأسرى، بل وضَع لبنان تحت الوصاية الأميركية بفعل استسهال أطراف السلطة الانتقالَ من وصاية إلى أخرى، مصحوبة هذه المرة بعملية تطبيع في العلاقات مع “إسرائيل” والاستسلام لها تحت مسمى “السلام”.

ثالثًا: إن الاتفاق يندرج في سياق المشروع الأميركي الهادف إلى إخضاع المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية وإقامة مناطق أمنية في سوريا ولبنان بالتزامن مع رحيل أو الأصحّ ترحيل قوات اليونيفيل مطلع العام القادم ومواصلة جرائم الإبادة للشعب الفلسطيني وتدمير غزة، ومحاولة السيطرة على الضفة الغربية ونهب الموارد النفطية في الخليج وإيران ومحاولة السيطرة على الممرات وسط مواجهة كبرى ضد مشروع هيمنته على الإقليم عمومًا.

رابعًا: يعاني لبنانُ من انهيارٍ اقتصادي – اجتماعيٍ غيرِ مسبوق ومن بطالة وهجرة بمعدلات متزايدة. فهناك مليونُ نازح ومهجر، يفتقدون إلى فرص عمل ويواجهون صعوبات لا توصف في تأمين احتياجاتهم من خدمات الأيواء والغذاء والدواء والطاقة والمياه وبدلات الإيجار وتوزيع المساعدات، وهم يتطلعون بحسرة إلى لحظة العودة إلى ديارهم وإلى شروع الحكومة في إعادة إعمار ما هدّمته إسرائيل. وما يفاقم أزمتهم وأزمة غالبية الشعب اللبناني، ما يواجهونه من ارتفاع فاحش في الأسعار والأقساط المدرسية وفواتير المستشفيات والكهرباء والبنزين، في وقت يتعاظم فيه تآكل الرواتب والأجور وتراجع التأمينات الاجتماعية.

إن هذه القضايا وغيرها هي تعبير حيّ عن عمق أزمة النظام السياسي الطائفي وفشل دولته الطائفية ومسؤولية حكوماته المتعاقبة ومحاصصاتِ القوى المتنفّذة وتحالفاتها الانتخابيةِ النيابية والبلدية والنقابية، وإمعانِها في الفساد والإفساد ونهب المال العام والخاص وفي تقويض تعويضات العمال وصناديق الضمان الاجتماعي والمهن الحرة وموظفي الدولة عسكريين ومدنيين.

وفي السؤال ما العمل، نقول؟

لا شيءَ بإمكانه إنقاذُ لبنانَ سوى مشروعٍ سياسي وطني يهدف في الأساس إلى إعادة بناء الدولة والانتقال من الدولة الطائفية الفاشلة إلى الدولة اللاطائفية، القائمة على مبادئ المواطنة والديمقراطية والعلمانية، دولة تكون قادرة على حماية سيادتها عبر جيشها الوطني المكتمل التجهيز وعبر فرض خدمة مدنية وعسكرية إلزامية على جميع اللبنانيين عند سنّ معيّنة على نحو يسهم في إدماجهم في النسيج الوطني، تطبيقًا لاتفاق الطائف، وتعطيلًا للوظيفة السياسية للطائفية والإفقار والتبعية.

ولا شيء بإمكانه تعويضُ الخسائر والتضحيات سوى الانطلاقِ من مثل هذا المشروع السياسي الوطني، كي تكون المقاومة، مقاومة وطنية وشعبية على صورة ومثالِ ذلك المشروع الذي تترابط فيه وتمارس كل أشكال النضال مستهدفة التحرير والتغيير دون الفصل بينهما؛ مقاومة تكون عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق، وغير محكومة بحسابات خارجية، ولا بميثاقية طائفية؛ مقاومة لا تغطي سلطة الفساد ولا تتموضع أو تتحالف وتتشارك مع دعاة التطبيع ممن لم يطلقوا رصاصة واحدة ضد الاحتلال. هذا ما جسّدته تجاربُ الحرسِ الشعبي وقواتِ الأنصار وجمّول منذ خمسينيات القرن الماضي، تأكيدًا لحقّ شعبنا المشروع في المقاومة، وهو حقّ كرّسته القوانين الدولية. فطالما هناك احتلال هناك مقاومة.

إننا نتمسّك بالحفاظ على السلم الأهلي ونضعه فوق كل اعتبار، فلا يتم خرقه من أية جهة كانت وتحت أي ظرف من الظروف. وهذا ما يستدعي من بعض الذين يطالبون اليوم بالحفاظ على السلم الأهلي، الكفَّ عن خطاب التوتير المذهبي ووضع الشارع بوجه الشارع لخلق الفتن وتشتيت وضرب الحركة الشعبية ومنعها من المطالبة بحقوقها. كما يتطلب من هذا البعض أيضًا الانعتاق من عقم التسويات الطائفية المتكررة الموحى بها من أوصيائهم في الخارج التي فشلت هي جميعُها، تمهيدًا لبلورة حلّ نهائي للمسألة الطائفية، حفاظًا على السلم الأهلي. مثل هذا الحلّ ولو أتى على مراحل، يشكل الردّ الحاسم على مشاريع التشكيلات السياسية الطائفية التي لا همّ لها سوى بقائها في السلطة، فهي لم تحم لبنان تاريخيًّا بل جلبت له شتّى أنواع التدخلات الإقليمية والدولية ولا تزال.

وفي سياق هذه المعركة المفتوحة تتصدر قضيةُ دعم النازحين والمهجرين الأولوية. فهم من دفعوا أثمانًا باهظة، هم أهالي الجرحى والشهداء ممن قدموا حياتهم في مواجهة العدو الصهيوني وما زالوا يقدمون. والدفاع عن حقوقهم والوقوف معهم هو واجب وطني ورفاقي واجتماعي، فنحن جزء منهم. وهذا ما فعلناه كحزب منذ بداية العدوان ولم نزل نقدّم وفق إمكانياتنا وسوف نستمر، مع التأكيد على أولوية مسؤولية الدولة عن توفير الخدمات العامة لهم: في الصحة والتعليم والسكن والنقل والتعامل معهم بوصفهم شركاء في اتخاذ القرار في قضايا الإغاثة والإعمار والعودة. ونحن ندعو ونعمل على تشكيل لجان شعبية مستقلة للدفاع عن حقوقهم في كل بلدة، تحضيرًا للمشاركة في المؤتمر الوطني لدعم النازحين والمهجرين والعودة والإعمار، مؤكدين دعمنا لتحركاتهم وللوقفة التي دعا إليها تجمع أبناء البلدات الجنوبية الحدودية في 22 أيلول الساعة الحادية عشرة صباحًا أمام مبنى الإسكوا في بيروت.

ومع تفاقم الأزمة الاجتماعية طالعتنا الحكومةُ بمسودة مشروع الموازنة للعام المقبل من دون قطع حساب فشكلت الضرائب والرسوم غير المباشرة حوالي 75% من إجمالي قيمتها، فتساوت ضريبة الفقير بضريبة الغني كما أسقطت مسودة الموازنة، مخصّصات الشروع في معالجة الأضرار للبنى التحتية في الجنوب ولم تلحظ أيّ تصحيح للرواتب والأجور وأيّ إصلاحٍ للنظام الضريبي أو تدعيم لأبعاده التصاعدية حيث يواصل المواطنُ تسديدَ الضرائبِ من رواتبه المجمدة ومن دون أن يأخذَ شيئًا بالمقابل فيبقى مرغمًا على شراء الكهرباء والمياه والتعليم والاستشفاء والنقل والإيجار ومتطلبات النزوح والتهجير.

بناءً على ما تقدّم، نتواصل مع القوى اليسارية والديمقراطية والوطنية والمستقلين لتشكيل إطار واسع للتحالف السياسي والاجتماعي من خلال التنسيق والعمل المشترك حول قضايا محددة تعكس تموضعنا وسط شعبنا الخاضع للإفقار والهجرة والتهجير.
سنبقى واقفين مع شبابه وطلابه وعماله ونسائه ومزارعيه ومع نازحيه ومهجريه،
داعمين لتحركاتهم دفاعًا عن مطالبهم المحقة وفي مقدمها وقف العدوان الصهيوني وانسحاب قوات الاحتلال الصهيوني حتى خط الهدنة وفق الاتفاقية الدولية عام 1949 والعودة والإعمار وتحرير الأسرى،
ومحذّرين من أية مساومات على حساب سيادة لبنان وحقوقه.

عاشت الذكرى الرابعة والأربعين لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية
والمجد والخلود للشهداء.