الرياض وبيروت: اليد الخفية للإمبريالية.. التاريخ الوظيفي والتدخلات السعودية في لبنان
ميسون سعادة
سقوط الأقنعة عن وجه الوصاية
في مشرق العرب النازف، حيث تتخبط الأمة بين مطارق الاستعمار القديم وأدوات التبعية الحديثة، يقف لبنان كمرآة كاشفة لطبيعة الصراع الوجودي بين قوى التحرر وقوى الاستبداد والارتزاق. لم يكن لبنان يوماً مجرد بقعة جغرافية صغرى على ساحل المتوسط، بل كان العقل المفكر، والقلب النابض، والمختبر الثقافي والسياسي للأمة العربية جمعاء. ومن هنا بالتحديد، رأت الدوائر الإمبريالية الغربية – الأمريكية والفرنسية وصنوانها الإسرائيلي – أن كسر هذا النموذج النهضوي وتدجين إرادته هو المفتاح الأبرز لإخضاع المنطقة بأسرها.
ولكن، لكي تحكم الإمبريالية قبضتها على الشعوب دون أن تتسخ أيدي جنودها بشكل مباشر، كانت بحاجة دائماً إلى “وكيل محلي”؛ وكيل يمتلك المال الوفير، والغطاء “العربي” أو “المذهبي المزعوم”، والقدرة على شراء الضمائر وتمويل الانقسامات. وهنا برز دور النظام السعودي كأخطر وأشرس ذراع مالي وعضوي للمشروع الاستعماري الغربي في لبنان منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.
لقد أدت المملكة العربية السعودية دور “صندوق التمويل الوظيفي” و”شرطي النظام الإقليمي” الذي تولى مهمة منهجية: تفريغ السيادة اللبنانية من مضمونها، كسر شوكة المشروع الوطني والقومي، وتوليد أزمات بنيوية تجعل لبنان دائماً على حافة الانهيار، مطواعاً للإملاءات الخارجية. إن تتبع هذا التاريخ الأسود ليس مجرد قراءة في دفاتر الماضي، بل هو تفكيك جذري لمنظومة خيانة واستعمار مقنع أكلت لحم لبنان وشربت دم شعبه.
أولاً: حرب 1975 – 1990.. هندسة الانقسام وتثبيت الوصاية عبر “الطائف”
1. إجهاض المشروع الوطني وقمع الحركة الوطنية
مع انطلاق شرارة الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975، لم تكن المملكة العربية السعودية بعيدة عن غرفة العمليات الإقليمية والدولية. لقد كانت الحركة الوطنية اللبنانية، بقيادة الشهيد كمال جنبلاط والقوى التقدمية والقومية، تمثل مشروعاً نهضوياً عابراً للطوائف، ينشد عروبة حقيقية، ويدعم المقاومة الفلسطينية كطليعة لتحرير فلسطين. هذا المشروع أرعب واشنطن وعواصم الغرب، كما أرعب العرش السعودي الذي رأى في أي نموذج تحرري ديمقراطي تهديداً وجودياً لشرعيته التقليدية المستندة إلى التحالف العضوي مع الإمبريالية الأمريكية.
دخلت السعودية على خط الأزمة اللبنانية مرتدية رداء “الوسيط” و”الأخ الكبير”، بينما كانت في الحقيقة تمول وتدعم القوى اليمينية والانعزالية لتكسر عظم قوى التحرر. استخدمت الرياض أموال النفط الهائلة التي تقاطرت جراء صدمات أسعار النفط في السبعينات لتمويل عمليات شراء الولاءات السياسية والدينية والإعلامية، وإعادة هندسة التوازنات الداخلية بما يضمن محاصرة أي توجه وطني مستقل.
2. اتفاق الطائف (1989): صك الوصاية الدستورية
توجت الرياض دورها التخريبي في الحرب الأهلية برعاية “اتفاق الطائف” عام 1989. ورغم ما يُقال عن إنهاء الحرب العسكرية، إلا أن الطائف لم يكن سوى صك إملاء سعودي-غربي لشرعنة الوصاية على لبنان تحت رعاية عربية شكلية وضمانة دولية.
تحولت الطائفية السياسية بموجب هذا الاتفاق من ممارسات عرفية إلى دستور دائم يشرعن التقسيم المجتمعي ويحمي طبقة الزعماء التقليدية.
ربط القرار السيادي اللبناني بالمظلة العربية والدولية، مما أفرغ استقلال لبنان من أي محتوى حقيقي، وجعل البلد محكوماً بتوازنات إقليمية تخدم المصالح الغربية حصراً، وقضى على أي فرصة تاريخية لبناء دولة حديثة خارج قيود المحاصصة الطائفية والمذهبية المدعومة خارجياً.
ثانياً: عصر الهيمنة الاقتصادية.. نيبراليزم الحريرية السياسية وتفكيك الدولة
1. التحول القسري نحو اقتصاد الريع والتبعية
مع انتهاء الحرب الأهلية، أدركت الإمبريالية الغربية وبرعاية سعودية مباشرة أن السيطرة العسكرية المباشرة أو عبر الميليشيات لم تعد الوسيلة المثلى للهيمنة، بل يجب الانتقال إلى مرحلة السيطرة الهيكلية والاقتصادية. وهنا انطلقت حقبة ما بات يُعرف بـ “الحريرية السياسية”، المدعومة بلا حدود من الرياض سياسياً ومالياً واقتصادياً.
تم تحويل لبنان من بلد منتج، يتميز بقطاع زراعي واعد وصناعات وطنية نشطة، إلى اقتصاد ريعي هش يقوم حصراً على الخدمات المصرفية، وتجارة الديون، والسمسرة العقارية.
تم ربط الليرة اللبنانية بالدولار عبر سياسات تثبيت الصرف التي هندسها حاكم مصرف لبنان السابق وبدعم من منظومة المال الخليجي، مما خلق فقاعة مالية كبرى هدفت في العمق إلى تدمير القاعدة الإنتاجية للبلاد.
بات الاقتصاد اللبناني تابعاً بشكل عضوي للمصارف الخليجية والقرار المالي السعودي، بحيث أصبحت الدولة اللبنانية رهينة دائمة للمساعدات والودائع المشروطة بإملاءات سياسية وأمنية تخدم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
2. تجريف السيادة وتقويض مقومات الصمود
لم تقتصر الهيمنة الاقتصادية على الأرقام، بل امتدت لتجريف مؤسسات الدولة وصناعة طبقة طفيلية فاسدة تعتاش على نهب المال العام وتدمير القطاعات العامة (الكهرباء، المياه، التعليم، الصحة). كان الهدف الاستراتيجي لواشنطن والرياض واضحاً: إنتاج دولة فاشلة هيكلياً، تعجز عن تلبية احتياجات مواطنيها، لكي يسهل لاحقاً ابتزازها سياسياً ودفعها نحو التخلي عن عناصر قوتها الذاتية، وفي مقدمتها سلاح المقاومة الذي شكّل الشوكة الوحيدة في حلق المشروع الإمبريالي-الصهيوني.
ثالثاً: حرب تموز 2006.. التواطؤ الخفي والضوء الأخضر للإبادة
1. فضيحة الموقف السعودي المتواطئ
شكلت حرب تموز/يوليو 2006 محطة مفصلية كبرى سقطت فيها كل أوراق التوت عن الوجه الحقيقي للسياسة السعودية في لبنان. ففي اللحظة التي كان فيها الشعب اللبناني ومقاومته الباسلة يسطرون أروع ملحمة صمود في التاريخ المعاصر في مواجهة العدوان الإسرائيلي الغاشم، خرج المسؤولون السعوديون بتصريحات غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي.
وصفت القيادة السعودية عمليات المقاومة حينها بـ “المغامرة غير محسوبة العواقب”، في محاولة سافرة لتغطية الفشل العسكري الإسرائيلي، وإعطاء الغطاء السياسي للعدوان لتنفيذ أهدافه بالقضاء على المقاومة. كشفت وثائق “ويكيليكس” لاحقاً جانباً من التواطؤ الاستخباراتي والسياسي للرياض مع تل أبيب وواشنطن خلال تلك الحرب، حيث كانت الدبلوماسية السعودية تحث الإسرائيليين سرّاً على مواصلة الحرب حتى “اجتثاث حزب الله” مهما كانت التكلفة الإنسانية والبشرية على الشعب اللبناني.
2. التمويل المضاد وشيطنة الحاضنة الشعبية
بعد عجز الآلة العسكرية الإسرائيلية عن تحقيق أهدافها، انتقلت السعودية إلى معركة “التعويض السياسي”. تم ضخ مليارات الدولارات لدعم الحملات الإعلامية والسياسية الممنهجة لشيطنة المقاومة، وتمويل القوى المحلية المناوئة لها، وتأليب الشارع اللبناني عبر إثارة النعرات الطائفية والمذهبية، في محاولة يائسة لفصل المقاومة عن حاضنتها الشعبية الوطنية التي ساندتها بدمائها وتضحياتها.
رابعاً: سفك الدماء وصناعة الفراغ.. أصابع الرياض في مشهد الاغتيالات السياسية
لم تقتصر أدوات الهيمنة السعودية في لبنان على المال السياسي والابتزاز الاقتصادي، بل امتدت في محطات مفصلية لتلامس حد سفك الدماء وهندسة الفراغ عبر مسار طويل من الاغتيالات السياسية التي استهدفت رجالات الفكر والسيادة والمقاومة.
إزاحة الرموز الوطنية: إن تتبع السجل الدموي في لبنان يثبت أن كل شخصية وطنية أو قومية حرة وقفت حجر عثرة في وجه المشروع الاستعماري-الصهيوني كانت عرضة للتصفية أو الإقصاء القسري، وسط مظلة إقليمية غطت أو باركت تلك الجرائم بهدف إعادة تشكيل الخريطة السياسية اللبنانية على مقاس المصالح الأمريكية-السعودية.
استغلال الدم اللبناني سياسياً: لم يقتصر الدور على مجرد التواطؤ الصامت، بل تم استثمار الجرائم السياسية الكبرى (وعلى رأسها اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وما تلاه من سلسلة اغتيالات وتصفيات طالت شخصيات سياسية وأمنية وإعلامية) لتحويلها إلى منصات تفجير طائفي، وإطلاق حروب إلغاء سياسية، وفرض محاكم دولية وقرارات مسيسة (مثل القرار 1559) هدفت في جوهرها إلى ضرب قوى المقاومة وعزلها عن محيطها العربي، وتحويل المأساة الوطنية إلى رصيد في بنك النفوذ الإقليمي للرياض وواشنطن لفرض خيارات رئاسية وحكومية تخدم الأجندة الغربية.
خامساً: الابتزاز الاقتصادي والسياسي المعاصر (2019 – 2026)
1. الاحتجاز التاريخي لرئيس الحكومة (2017)
بلغة البلطجة السياسية غير المسبوقة، كشفت الرياض عن طبيعتها الاستعمارية الفجة في نوفمبر 2017، حين أقدمت على استدعاء رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك (سعد الحريري، الحليف التقليدي لها) واحتجازه، وإجباره على الاستقالة على الهواء مباشرة من العاصمة السعودية. كانت هذه الحادثة سابقة خطيرة تنتهك أبسط قواعد السيادة الدولية والأعراف الدبلوماسية، وهدفت إلى تفجير الساحة اللبنانية داخلياً وإشعال فتنة مذهبية مدمرة تخدم الأجندة الإسرائيلية-الأمريكية.
2. الحصار الاقتصادي المقنع والانهيار المالي (2019 – الآن)
مع انفجار الأزمة المالية الكبرى في لبنان عام 2019، والتي شاركت في هندستها عقوبات واشنطن وحصارها المصرفي وتواطؤ منظومة الفساد الداخلي، أظهرت الرياض قسوة بالغة في التعامل مع الشعب اللبناني:
قطعت السعودية ودائعها، ومنعت المساعدات، وحظرت استيراد المنتجات اللبنانية (تحت ذرائع واهية)، مستخدمة لقمة عيش اللبنانيين كسلاح ابتزاز سياسي مركب.
استهدفت المغتربين اللبنانيين في دول الخليج، مهددةً أرزاقهم وعائلاتهم، لثنيهم عن دعم أهلهم ومساندة صمودهم في وجه الانهيار.
واصلت الرياض ربط أي استئناف للمساعدات أو الودائع بضرورة تنفيذ شروط قاسية تهدف سياسياً إلى ضرب الاستقرار الداخلي، وفرض إملاءات تتعلق بملفات استراتيجية كبرى مثل سلاح المقاومة، وترسيم الحدود، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين، والقبول بمسارات التطبيع غير المباشر (مثل صفقة القرن ومساراتها الملتوية).
نحو التحرر الشامل وكسر قيود التبعية
إن التاريخ الأسود للتدخلات السعودية في لبنان لم يكن قط مجرد نزاع على النفوذ الإقليمي، بل هو حلقة مركزية وعضوية في المشروع الإمبريالي الاستعماري الغربي الرامي إلى كسر شوكة الشعوب الحرة، وتدجين المشرق العربي، وتأمين أمن الكيان الصهيوني الغاصب عبر التجويع والشرذمة والوصاية المقنعة.
لقد أثبتت العقود الماضية أن لا سيادة حقيقية للبنان، ولا ازدهار لاقتصاده، ولا كرامة لإنسانه، طالما ظل رهيناً للمحفظة المالية الخليجية وللمظلات الاستعمارية الغربية. إن الخروج من هذا النفق المظلم لا يكون بالتوسل على أبواب الرياض أو واشنطن، بل يكون بـ:
القطع الجذري مع نموذج الاقتصاد الريعي والاتجاه نحو اقتصاد الإنتاج الوطني المقاوم (زراعياً وصناعياً وتكنولوجياً).
إسقاط المحاصصة الطائفية التي أفرزها “الطائف” وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والكفاءة والعدالة الاجتماعية.
الارتكاز إلى محور المقاومة والتحرر كضمانة وحيدة لحماية السيادة الوطنية وثروات البلاد النفطية والبحرية من أطماع العدو الصهيوني وحلفائه الإقليميين.
إن لبنان الأحرار، لبنان المقاومة، لبنان الفكر والثقافة، سيبقى كبيراً على كل محاولات الترويض والتركيع. وستسقط عروش التبعية والارتزاق أمام صمود شعب أثبت بالدم والنار أنه أقوى من كل إمبراطوريات المال الحرام، وأنه قدر الأحرار أن يصنعوا فجرهم بأنفسهم، مهما طال ليل الوصاية والاستعمار.
الهوامش والمراجع الموثقة
وثائق أرشيف الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990): دراسات في دور التمويل الخارجي وتفكيك البنيات الوطنية، مركز الدراسات العربية، بيروت.
”اتفاق الطائف: كواليس الوصاية وتقنين المحاصصة”، دراسة تحليلية مقارنة لتوازنات القوى الإقليمية، منشورات الفكر القومي، 1992.
د. سمير فرنجية، “إبادة المدن: السياسات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان ما بعد الحرب”، دار الطليعة، بيروت.
تسريبات “ويكيليكس” الدبلوماسية: البرقيات المتعلقة بمواقف دول الخليج خلال حرب تموز/يوليو 2006، الأرشيف الإخباري العالمي.
سجل الاغتيالات السياسية والتحولات الأمنية في لبنان (2005-2011): تقارير لجان التحقيق الدولية، تداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري واستثمارها في إعادة هندسة النظام السياسي اللبناني.
تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي: الهيكليات المالية والنقدية للاقتصاد اللبناني وأثر سياسات تثبيت سعر الصرف (1993-2019).
واقعة احتجاز رئيس الحكومة اللبنانية في الرياض (نوفمبر 2017): التقارير الصحفية الدولية وتوثيق الانتهاكات الدبلوماسية، رويترز والجارديان.
السياسات المالية والاقتصادية المعاصرة (2019-2026): تقارير مرصد الأزمات في الجامعة الأمريكية في بيروت والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
