:

​تشهد المنطقة العربية والشرق أوسطية تحولاً استراتيجياً جذرياً يعيد رسم خارطة النفوذ الدولي والإقليمي، معلناً بوضوح نهاية اللحظة الأحادية التي فرضتها واشنطن لعقود طويلة. إن التصدعات المتسارعة في منظومة الردع الأمريكية لم تعد تقتصر على التحليلات السياسية النظرية أو القراءات الاستراتيجية، بل باتت تتكشف عبر وقائع ميدانية واعترافات رسمية ومسربة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية ذاتها. وما كشفت عنه تقارير وشبكات إعلامية غربية، مثل ما نشرته شبكة سي بي إس نيوز من مشاهد مصورة لحجم الأضرار البالغة التي لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية في الإقليم جراء الضربات الصاروخية وبطائرات المسيرات، يمثل نقطة تحول كبرى تفضح هشاشة البنيان العسكري الأمريكي وتعرّي زيف الروايات الرسمية التي لطالما حاولت تسويق تفوق مطلق لا وجود له على الأرض.
​تهاوي القواعد الحصينة وبنك الأهداف الاستراتيجي
​إن دلالات الأضرار التي طالت منشآت حيوية مثل قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية، حيث أصيبت طائرة الإنذار المبكر والسيطرة من طراز بوينغ إي 3 سينتري بدقة بالغة في جزءها الخلفي مما أدى إلى اقتلاع قسم الذيل الذي يحتوي على رادار جمع الاستخبارات الأساسي، تؤكد أن بنك الأهداف لدى قوى الردع الإقليمية بات يطال مفاصل العصب الاستخباراتي واللوجستي للوجود الأمريكي. فضلاً عن ذلك، فإن استهداف مواقع مثل قاعدة كامب بيرينغ في الكويت، التي تمثل نقطة عبور رئيسية للقوات البرية والآليات المدرعة، يعكس عجز التحصينات الخرسانية التقليدية التي صُممت لمواجهة تهديدات محدودة، في حين أثبتت عجزاً مطلقاً أمام تكتيكات الضربات الجوية الهجومية المبتكرة. إن الصور الأرشيفية والأقمار الصناعية أثبتت مراراً أن حجم الدمار الفعلي يجاوز بأضعاف ما تعترف به القيادة المركزية الأمريكية أو الحكومات الحليفة في منطقة الخليج، مما يضع مصداقية البيانات الرسمية في مأزق أخلاقي وتاريخي أمام شعوب المنطقة.
​أزمة الثقة وانعدام المبادرة في صفوف القوات الأمريكية
​ولعل العمق الأبرز في هذه التحولات يكمن في البعد النفسي والمعنوي داخل صفوف القوات الأمريكية المرابطة في الإقليم. فالتصريحات المنسوبة لعسكريين أمريكيين في الخدمة الفعلية، ممن تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم فوصفوا واقعهم بالقول إنهم يقفون وعيونهم مغمضة ويتلقون الضربات على وجوههم، تعبر عن أزمة ثقة وجودية تعصف بالجيش الأمريكي. هذا الشعور بانعدام الأمان وفقدان المبادرة يعكس الانتقال من موقع المفرض للسياسات إلى موقع المتلقي والمنكفئ، وهو تحول استراتيجي يغير قواعد الاشتباك التاريخية. لم يعد الجندي الأمريكي أو القاعدة العسكرية بمثابة الحصن المنيع الذي لا يُقهر، بل تحولت هذه المواقع إلى نقاط ضعف مكشوفة تثقل كاهل الإدارة الأمريكية وتجبرها على إعادة حسابات التواجد العسكري برمتها.
​سقوط أسطورة الدفاع الجوي واستنزاف الترسانة الغربية
​على الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي، أسفرت المواجهة عن سقوط أسطورة منظومات الدفاع الجوي باهظة الثمن. فأنظمة الاعتراض الأمريكية المتقدمة، التي صُرفت عليها ميزانيات طائلة وتغنت بها الترسانة الغربية، تبين عجزها البنيوي عن توفير مظلة حماية حقيقية للقواعد وللدول الحليفة في مواجهة صواريخ ومسيرات انتحارية تتميز بتكلفة إنتاج زهيدة مقارنة بتكلفة الصواريخ الاعتراضية الباهظة. هذا التباين الاقتصادي يكرس معادلة استنزاف قاسية؛ حيث تجد قوة عظمى نفسها مجبرة على استنزاف مخزونها الاستراتيجي من الصواريخ باهظة التكلفة لمواجهة طائرات مسيرة رخيصة ومنتجة محلياً أو إقليمياً، مما ينعكس سلباً على الاقتصاد الصناعي والعسكري الأمريكي ويخلق أزمة استدامة طويلة الأمد. والأكثر لفت للانتباه أن هذه القدرات الفاعلة صُممت وأُنتجت رغم الظروف الاقتصادية الصعبة والحصار المفروض، مما يبرهن على أن الإرادة السياسية والهندسة التقنية المحلية قادرتان على كسر الاحتكار التكنولوجي الغربي.
​عقم التبعية وانكشاف الوهم الأمني الإقليمي
​أما على مستوى الأنظمة الإقليمية المرتهنة للرعاية الأمنية الغربية، فإن هذه التطورات تمثل زلزالاً استراتيجياً يكشف عن عقم خيارات التبعية المطلقة. فعندما تعجز واشنطن عن حماية قواعدها المباشرة ومنظومات الإنذار المبكر الخاصة بها في قلب دول الخليج، يصبح جلياً أن المظلة الأمنية الأمريكية المزعومة لم تكن سوى وهم استهلاكي ومادة دعائية لتسويق صفقات التسلح وضمان الهيمنة السياسية والاقتصادية.

هذا الواقع الجديد يدفع النخب الواعية والقوى الحية في المنطقة نحو قناعة راسخة بأن أمن الإقليم لا يمكن أن يُستورد من وراء البحار، وأن السيادة الحقيقية تتحقق عبر بناء عناصر قوة ذاتية قادرة على فرض الردع ومنع الاعتداءات دون انتظار إذن أو حماية من قوى خارجية باتت هي ذاتها تبحث عن طوق نجاة لجنودها وقواعدها.
​ ولادة نظام إقليمي جديد على أنقاض الهيمنة
​في الخلاصة، إن المشهد الراهن في الشرق الأوسط ليس مجرد جولة تكتيكية عابرة، بل هو المخاض الفعلي لولادة نظام إقليمي جديد يقوم على أساس توازن القوى الحقيقي وتآكل الهيمنة الأحادية. إن انهيار هيبة القواعد الأمريكية وعجز ترساناتها الدفاعية يعكسان سقوط الركائز الأساسية التي استند إليها المشروع الغربي في المنطقة لعقود. وبدلاً من أن تكون هذه القواعد منطلقاً لفرض الإملاءات، أصبحت عبئاً أمنياً وسياسياً على صانع القرار في واشنطن، وعلامة صارخة على أن عصر الاستفراد بالقرار الإقليمي قد ولى إلى غير رجعة، لصالح صعود خيار المقاومة والاعتماد على الذات كخيار حتمي لإعادة كتابة تاريخ المنطقة وحماية سيادتها ومقدراتها.

د. نبيلة عفيف غصن