رسول حسين ابو السبح-العراق الجميع يتحدث عن فلسطين، وهذا أمر طبيعي ومشروع، فغزة ليست مجرد جغرافيا بعيدة، ولا قضية سياسية عابرة، بل جرح مفتوح في ضمير المنطقة، “والأمة العاقلة وليست الأمة المريضة”، لكن وسط هذا الصوت العالي المشروع والمطلوب حول فلسطين، ثمة مأساة أخرى يجري التعامل معها وكأنها تفصيل ثانوي لا يستحق المساحة نفسها من الكلام… مأساة السوريين العلويين، وما تعرضت له مناطقهم من قتل وتهجير وانتهاكات على خلفية الهوية.المشكلة ليست في أن نتحدث عن فلسطين كثيرًا، بل في أن نتحول إلى الانتقائية في تعريف المظلوم، والكلام موجه بشكل مباشر للإعلام، فإذا كان قتل الإنسان وتهجيره واستهدافه بسبب هويته جريمة حين يقع في غزة، فهو جريمة أيضًا حين يقع في اللاذقية وطرطوس وبانياس وجبلة وغيرها، وإذا كان التطهير الطائفي مرفوضًا في مكان، فلا يمكن أن يصبح قابلًا للصمت في مكان آخر.ومنذ أحداث الساحل السوري في آذار/مارس 2025، ظهرت تقارير واسعة عن إعدامات ميدانية واستهداف لمدنيين علويين، وعمليات تهجير ونهب وتدمير للمنازل، “على إرهابيي الصهيونية بنوعيه اليهودي المستهتر والمسلم المتطرف الاخواني”، كما وقد وثقت آليات تابعة للأمم المتحدة معلومات عن عمليات إعدام واسعة النطاق واختفاءات قسرية وتهجير طال أفرادًا من الأقليات الدينية، وفي مقدمتها الطائفة العلوية. هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا، ليس المطلوب أن نضع مأساة العلويين في مواجهة مأساة الفلسطينيين، وليس من المنطقي أن نقول تحدثتم عن غزة، فلماذا لا تتحدثون عن سوريا؟ القضية أعمق من ذلك، القضية هي… هل نمتلك معيارًا أخلاقيًا واحدًا تجاه الإنسان المظلوم، أم أن مواقفنا تتغير بحسب موقع الضحية في خريطة الصراع؟إن كانت المقاومة تعني الدفاع عن الإنسان الذي يُستهدف بسبب هويته، فإن سوريا ليست خارج هذا المعنى، وإن كانت فلسطين جزءًا من مشروع أوسع لمواجهة الاحتلال والتطرف والهيمنة، فإن التخلي عن سوريا ليس مجرد تغيير في الأولويات، بل خسارة في الرؤية نفسها، والكيان اليوم يقف في سوريا كما يقف في فلسطين “فكيف نحرر فلسطين والطريق إليها محتل”.سوريا لم تكن دولة هامشية في معادلة المقاومة، طوال سنوات، كانت واحدة من أهم الجغرافيا التي اتصلت عبرها خطوط الإمداد والمواجهة، وكانت دمشق جزءًا من البيئة التي احتضنت قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وفي وقت سابق المقاومة العراقية ضد النظام البائد، لذلك فإن اختزال سوريا اليوم في سؤال “مع الأسد أم ضده؟” يضيّع السؤال الأهم… أي سوريا نريد؟نريد سوريا التي لا يُقتل فيها الإنسان لأنه علوي أو شيعي أو مسيحي أو درزي أو كردي أو سني، ونريد سوريا التي لا تتحول فيها هوية المواطن إلى تهمة، ونريد سوريا التي لا يُعاد فيها إنتاج الاستبداد ولكن أيضًا لا تُفتح فيها الأبواب أمام التطرف الطائفي.ولهذا فإن الدفاع عن السوريين العلويين والشيعة عموماً لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دفاعًا عن نظام سياسي أو تبريرًا لجرائم ارتُكبت في حق السوريين خلال العقود الماضية، هناك فرق جوهري بين محاسبة المسؤول عن الجريمة وبين تحويل جماعة كاملة إلى جماعة مستباحة بسبب انتمائها.وهذا التفريق ضروري، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في سوريا هو أن تتحول العدالة إلى انتقام جماعي، وأن يصبح الانتماء الطائفي قرينة إدانة، والأخطر من ذلك أن نصمت نحن، الذين نتحدث كثيرًا عن المقاومة، حين تقع هذه الجرائم.لقد كشفت أحداث الساحل السوري أن المسألة ليست مجرد حادث أمني عابر، فالأمم المتحدة رغم المؤشرات عليها كمنظمة لكنها تحدثت عن انتهاكات خطيرة طالت الأقليات، كما سجلت تقارير لاحقة استمرار مخاوف تتعلق بالاختفاءات والانتهاكات بحق النساء والفتيات العلويات. وهنا يصبح السؤال موجهًا إلى خطاب “المحور” نفسه… هل المقاومة جغرافيا أم فكرة؟إذا كانت المقاومة مجرد اصطفاف سياسي يتغير بتغير موازين القوة، فربما يمكن التخلي عن سوريا عندما تتغير السلطة فيها، أما إذا كانت المقاومة مشروعًا يقوم على رفض الاحتلال والتطرف والتطهير الطائفي والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن سوريا لا يمكن أن تُشطب من المعادلة.التخلي عن سوريا لا يعني فقط التخلي عن حليف أو ساحة جغرافية، قد يعني التخلي عن جزء من الذاكرة الاستراتيجية للمقاومة نفسها، لكن الأهم من الحسابات العسكرية والسياسية هو الإنسان.هناك عائلة سورية فقدت أبناءها، وهناك امرأة فقدت زوجها، وهناك طفل خرج من منزله ولم يعد إليه، وهناك قرى تغيّرت ملامحها لأن أهلها أصبحوا يخافون من هويتهم… عن العلويين والشيعة عموماً في سوريا أتحدث وأنا غاضب الآن.

هؤلاء لا ينبغي أن يحتاجوا إلى إثبات أنهم “جزء من المحور” حتى نستحق الدفاع عنهم… المظلوم لا يحتاج إلى بطاقة عضوية في المحور كي يصبح مظلومًا.

وهذه ربما هي النقطة التي يجب أن نستعيدها في خطابنا اليوم، فلسطين لا تحتاج إلى أن نخسر سوريا حتى ندافع عنها، وغزة لا تحتاج إلى أن نصمت عن دماء السوريين حتى نثبت إخلاصنا لها، بل العكس تمامًا إنصاف المظلوم في سوريا يجعل خطاب فلسطين أكثر صدقًا، لأن القضية حينها تصبح قضية مبدأ لا قضية اصطفاف.لذلك، فإن السؤال اليوم ليس… هل نختار فلسطين أم سوريا، جنوب لبنان أم غرب العراق ؟السؤال الحقيقي هو… هل نستطيع أن نحمل فلسطين وسوريا معًا داخل رؤية واحدة ترفض الاحتلال، وترفض التطرف، وهل نحمل العراق ولبنان معاً، في رفض الانتقام الطائفي، وهكذا تحفظ حق كل جماعة في الحياة والوجود والكرامة؟اعزائي سوريا ليست هامشًا يمكن شطبه من خريطة المقاومة، والعلويون والشيعة عموماً السوريون ليسوا رقمًا يمكن تجاوزه في نشرات الأخبار، والمقاومة التي لا ترى المظلوم إلا حين يخدم موقعه السياسي، تخاطر بأن تتحول من فكرة إلى اصطفاف.أما المقاومة التي ترى الإنسان أولًا، فهي التي تستطيع أن تبقى فكرة، ولهذا، فإن إنصاف علويي سوريا ليس خروجًا من فلسطين… بل هو اختبار لمدى صدقنا حين نقول إننا نقف مع المظلوم.