الحرب على إيران تحوّلت إلى عبء اقتصادي وسياسي متصاعد على ترامب؛ فأسعار الطاقة القياسية تكشف أن كلفة العدوان تتجاوز قدرة أمريكا على التحمل في ظل صمود إيراني يضرب الاقتصاد الأمريكي في صميمه.

في مشهد اقتصادي غير مسبوق، تجاوزت أسعار الديزل في الولايات المتحدة حاجز 6.20 دولار للجالون، محققةً مستوى قياسياً تاريخياً، بزيادة تقارب 69% منذ انطلاق الحرب على إيران. لم يكن هذا الرقم المفزع حدثاً معزولاً، بل جاء متزامناً مع قفزة جديدة في أسعار النفط العالمية، حيث ارتفع خام برنت بنسبة 3.46% ليصل إلى 108.23 دولار للبرميل، بينما تجاوز الخام الأمريكي حاجز 102 دولار . وفي أوروبا، اخترقت أسعار الغاز في البورصة سقف الألف دولار لكل ألف متر مكعب للمرة الأولى منذ ديسمبر 2022، في مؤشر صارخ على أن أزمة الطاقة العالمية عادت لتطل برأسها من بوابة الحرب .

تتقاطع هذه الأرقام القياسية لتكشف حقيقة واحدة: أن الرئيس دونالد ترامب، الذي وعد بأن يكون “رئيس السلام”، وجد نفسه غارقاً في مستنقع عسكري لم يعد قادراً على حسمه أو الخروج منه، تاركاً المواطن الأمريكي يدفع فاتورة باهظة ثمن هذا المأزق. فقد كشفت بيانات جامعة براون أن الحرب كلفت المستهلكين الأمريكيين أكثر من 100 مليار دولار إضافية في شكل تكاليف طاقة منذ بدء العمليات في 28 فبراير، وهو ما يعادل 770 دولاراً لكل أسرة أمريكية .

والأخطر من ذلك، أن هذه الكلفة تتصاعد بمعدل مليون دولار كل دقيقتين تقريباً، في إشارة إلى نزيف اقتصادي لا يبدو أنه سيتوقف في أي وقت قريب .الغريب في المشهد أن هذه التكلفة الباهظة لم تُثمر أي نصر استراتيجي، بل كشفت عن فشل ذريع في الحسابات الأمريكية. فقد راهن ترامب على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيرغم إيران على الركوع السريع، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً.

فطهران، المدركة لحساسية الوقت الأمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، لجأت إلى استراتيجية الضغط على نقاط الضعف: إغلاق أو تقييد الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف خطوط الأنابيب والمنشآت النفطية، وتحويل الحرب إلى معركة استنزاف اقتصادي تهدف إلى رفع الأسعار وإشعال الغضب الشعبي داخل الولايات المتحدة .ويبدو أن هذه الاستراتيجية الإيرانية تؤتي ثمارها. فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن 63% من الأمريكيين يعارضون الحرب، في حين لا يؤيدها سوى 31% فقط .

ومع اقتراب موعد الانتخابات، يجد ترامب نفسه محاصراً بين خيارين أحلاهما مر: الاستمرار في حرب لا يستطيع حسمها، أو الانسحاب الذي سيعترف ضمنياً بالهزيمة أمام إيران ويهدد حظوظ حزبه الجمهوري. ولهذا السبب، تتناقض تصريحاته يوماً بعد يوم؛ فتارة يتحدث عن “قرب انتهاء الحرب”، وتارة أخرى يعود إلى التصعيد، في محاولة يائسة لترميم صورته أمام الناخبين .هذا التناقض لم يعد خافياً على أحد.

فقد أشار المحللون إلى أن ترامب بات “عالقاً في أزمة مضيق هرمز”، وأن الحرب أصبحت معقدة للغاية في ظل غياب استراتيجية واضحة للخروج . ووصف المؤرخ ماثيو وارشاور الموقف بأنه تكرار أعمى لسيناريوهات فيتنام والعراق وأفغانستان، حيث يتوهم القادة الأمريكيون أن القوة العسكرية الساحقة كفيلة بإخضاع إرادة أمة بأكملها .

والواقع أن ما يحدث الآن يثبت خطأ هذا التوهم مرة أخرى: إيران لم تُهزم، ومضيق هرمز لا يزال نقطة اختناق تهدد الاقتصاد العالمي، والبحرية الأمريكية تستنزف مواردها في حراسة ناقلات نفط لن تصل أبداً إلى الأسواق الأمريكية .

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: إلى متى يمكن لأمريكا تحمل هذه الفاتورة المتصاعدة؟ توقعات وزارة الطاقة الأمريكية تشير إلى أن أسعار البنزين ستبقى عند مستوى 4 دولارات للجالون حتى نهاية العام، بينما يتوقع خبراء الطاقة أن يكون خريف 2026 هو الأغلى في تاريخ أسعار الوقود الأمريكي . وإذا استمر الوضع على هذا النحو، فإن الكلفة على الأسر الأمريكية قد تتجاوز 1650 دولاراً للأسرة الواحدة، وهو رقم كفيل بإشعال غضب انتخابي عارم ضد الجمهوريين في نوفمبر المقبل .

في المحصلة، يبدو أن ترامب قد أخطأ التقدير مرتين: مرة عندما ظن أن الحرب على إيران ستكون نزهة عسكرية سريعة، ومرة أخرى عندما تصور أن الاقتصاد الأمريكي قادر على استيعاب صدمة أسعار بهذا الحجم. والنتيجة أن أمريكا باتت اليوم أسيرة حرب لا تعرف كيف تنتصر فيها ولا كيف تنهيها، بينما إيران، بصمودها وتكتيكاتها الاقتصادية، تثبت أن الحرب ليست دائماً في ساحة المعركة، بل في جيب المواطن الأمريكي الذي يدفع الثمن باهظاً كل يوم يستمر فيه هذا العدوان.