بين طهارة دماء المقاتل في الميدان.. وعقم العقل السياسي في أفق سورية الطبيعية والمشرق
إن الانتماء الحقيقي لأي مشروع نهضوي أو تحرري لا يقاس بحجم التصفيق التعبوي الأعمى، ولا يرتوي من نخب التبرير الرخيص للسياسات الارتجالية الخاطئة؛ بل يُقاس بشجاعة النقد الجذري، والقدرة العالية على تفكيك مواقع الخلل والإخفاق التاريخي. وحين يتسع النطاق الجغرافي والجيوسياسي للحدث ليطال جغرافيا «سورية الطبيعية» والمشرق برمته ـ تلك البيئة العضوية الواحدة التي تضم العراق، سوريا الشام، لبنان، فلسطين، الأردن، الكويت، وقبرص ـ تصبح التكلفة البشرية والتاريخية لأي عقم أو قصور استراتيجي فادحة، مدمرة، وغير قابلة للتعويض.
إن الغصة المريرة والحسرة العميقة تجاه الأداء السياسي والقيادي ليست مجرد انفعال عابر، بل هي صرخة وعي مدوية في وجه عقليات أدمنت إدارة الأزمات بالقطعة ، بينما تضيع أثمان التضحيات الجسام في أروقة الحسابات الحزبية الضيقة والصفقات الإقليمية الهزيلة.
المفارقة البنيوية الحارقة.. مقاتل أسطوري في الميدان وعقل سياسي مأزوم إقليمياً
على طول خطوط المواجهة والامتداد في إقليم المشرق، يسطر المقاتل الفرد ملاحم بطولية أسطورية تفوق الخيال البشري؛ بدءاً من أنفاق غزة وساحات الضفة الملتهبة في فلسطين، مروراً بتلال جنوب لبنان وعقده الدفاعية المنيعة، وصولاً إلى البوادي والثغور في سوريا والعراق. هؤلاء الأبطال يثبتون يوماً بعد يوم أنهم من أشرس وأكفأ التشكيلات القتالية في العصر الحديث، حيث يمرّغون أنف أعتى آلات التدمير العسكرية والإمبريالية والصهيونية في الوحل.
لكن، كم هو محبط ومفجع أن يصطدم هذا الإعجاز الميداني بـ عقم سياسي واستراتيجي قاتل يفتقر إلى الرؤية الشاملة والعميقة لإدارة الصراع على مستوى الإقليم ككل.
شريط الخيبات الاستراتيجية في جغرافيا «سورية الطبيعية» والمشرق المشتعل
إن الأزمة الاستراتيجية الراهنة لم تولد من فراغ، بل هي حصيلة تراكمات تاريخية ثقيلة طبعت مسار قوى المقاومة والدول في هذا المدى الحيوي المترابط، وتجلت في محطات مفصلية أبرزها:
- ● في لبنان وفلسطين: حيث تبدد جزء كبير من الزخم الاستراتيجي للتحرير التاريخي (عام 2000 في لبنان) في حسابات سلطوية ومحاصصات طائفية مقيتة لم تنجح في بناء دولة قوية عادلة تحصن إنجازات المقاومة، وتركت غزة والجنوب يواجهان حرب الإبادة والتدمير الممنهج شبه منفردين وسط عجز رسمي مخزٍ.
- ● في سوريا الشام (أتون الحرب الكونية والمحك الاستراتيجي): شكلت الأزمة السورية منذ عام 2011 اختباراً قاسياً ومفصلياً؛ إذ انخرطت قوى المقاومة في معركة وجودية للدفاع عن العمق الاستراتيجي وممر الإمداد الحيوي، غير أن إدارة هذا الملف اقتصرت أحياناً على البعد العسكري والأمني البحت، مع إغفال تام لضرورة إصلاح البنية السياسية والاقتصادية الداخلية، مما ترك سوريا وشعبها ينوءون تحت وطأة دمار هائل وعزلة دولية، وأثر سلباً على قدرة محور المقاومة على تقديم نموذج تنموي وحضاري بديل وجذاب.
- ● في العراق (مخاضات الدولة والسيادة والاستنزاف): تعامل العقل السياسي مع الساحة العراقية بمنطق الفصائلية المتحركة والمجزأة، دون القدرة على صياغة استراتيجية مؤسسية تدمج طاقات الحشد والمقاومة في بنية دولة قوية ومستقرة قادرة على حماية سيادتها من التدخلات الخارجية، مما أبقى العراق ساحة رخوة للتجاذب الدولي والإقليمي.
الخاصرة الرخوة والعمق المغيب.. الأردن، الكويت، وقبرص في ميزان الخذلان الاستراتيجي
إن من أبزر تجليات العقم الاستراتيجي هو تجاهل المكونات الحيوية الأخرى التي تتكامل بها جغرافيا «سورية الطبيعية» والمشرق، حيث غابت عن الحسابات الدقيقة ساحات محورية تعد عمقاً أو خاصرة لا غنى عنها:
- ● الأردن: باعتباره العمق البري الحيوي والبوابة الأمنية والاجتماعية المباشرة، جرى التعامل معه أحياناً بعين الاستخفاف أو بتجاهل توازناته الدقيقة، مما أفقد المشروع الاستراتيجي ظهيرًا جغرافيًا وشعبيًا لا غنى عنه في معركة الصمود والتواصل العضوي.
- ● الكويت: ضمن المفهوم الأوسع لسورية الطبيعية والمدى الخليجي، غالباً ما تم تهميش الدور الاقتصادي والمالي والعمق الدبلوماسي والشعبي الذي يمكن أن يمثله هذا الثقل في تخفيف الحصار أو توفير حاضنة مالية وسياسية بديلة بعيدة عن التبعية المطلقة للقوى الإمبريالية.
- ● قبرص: باعتبارها الخاصرة البحرية والجزيرة المقابلة للساحل الشامي في شرق المتوسط، غابت كلياً عن الحسابات الاستراتيجية الفاعلة للمقاومة، رغم تحولها تدريجياً إلى منصة لوجستية واستخباراتيّة متقدمة للخصوم والأعداء، مما يثبت قصور الرؤية الاستراتيجية البحرية.
- ● سقوط أوهام «التفاوض تحت النار» وغياب المشروع البديل
إن ما تشهده مدن المشرق، من جنوب لبنان، إلى غزة وسوريا والعراق، يعكس عجزا هيكليا في النظم السياسية الرسمية عن حماية شعوبها، واكتفاءها بصمت مريب أو مساعٍ دبلوماسية عقيمة تراهن على أوهام «التفاوض تحت النار». إن الرهان على أن إسرائيل أو قوى الهيمنة الغربية ستمنح شيئاً للشعوب عبر الدبلوماسية هو انتحار سياسي. وإن الطروحات المشبوهة لنزع السلاح أو تحويل الحواضن الشعبية إلى مناطق منزوعة الوجود ليست سوى أدوات تخدير تخدم الاحتلال.
إن غياب مشروع اقتصادي واجتماعي تكافلي يربط بين اقتصاديات ولقمة عيش شعوب العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن، والكويت، جعل هذه الحواضن عرضة للانهيار المعيشي، وهو الخطر الأكبر على استمرارية أي مقاومة حقيقية.
خارطة طريق النهوض الشامل.. نحو استراتيجية عابرة للكيانات المصطنعة
إن إنقاذ مشروع المقاومة ومنع تبديد دماء الشهداء يتطلب قطيعة جذرية مع العقلية السقيمة السابقة، والبدء الفوري بخارطة طريق نهضوية تقوم على:
- 1 ـ التكامل الإقليمي الشامل خارج قوالب التبعية: الانتقال من منطق «تعدد الساحات المتشظية» إلى منطق «وحدة المصير الاستراتيجي» العابر للحدود المصطنعة ليشمل كل مكونات المدى الحيوي (العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن، الكويت، وقبرص) ، ليكون الأمن القومي كلاً لا يتجزأ.
- 2 ـ التحرر من قيود المحاصصات والسلطة المحلية: الفكاك التام من الوحل الطائفي والمحاصصات السلطوية التي أفرغت انتصارات المقاومة من محتواها الأخلاقي والسيادي في لبنان والعراق، والعودة لنقاء البوصلة المتمثلة في حماية الشعوب وسيادتها المطلقة.
- 3 ـ مأسسة القرار الاستراتيجي وإشراك العقول المستقلة: إخضاع القرارات الاستراتيجية الكبرى لنقاشات مؤسسية عميقة وموضوعية، بعيداً عن الانفعال الحزبي الضيق، والاستعانة بالخبرات والكفاءات الوطنية المخلصة لصياغة سياسات واقية.
- 4 ـ جعل أولوية الحاضنة الشعبية فوق كل اعتبار: الإنسان في هذا الإقليم هو الثروة الباقية؛ لذا يجب أن تتقدم خطط الإغاثة والإنقاذ وإعادة الإعمار وحماية الأمن المعيشي على أي حسابات إقليمية، فبدون الحاضنة القوية يزول المشروع بأسره.
خلاصة :
إن النقد الجذري لمسار المقاومة في سورية الطبيعية والمشرق ليس طعناً، بل هو طوق النجاة الأخير وسياج الحماية الأقدس لمشروع روتْه دماء الأطهار. إن التاريخ لن يرحم المترددين، ولن يغفر لمن يفرط بتضحيات الشعوب في بازار التسويات الرخيصة.
د.نبيلة عفيف غصن
المصدر: صباح الخير “البناء”
