رحلات الغزيين: هل يملك الاحتلال فعلاً مشروعاً قابلاً للتنفيذ؟
بقلم: فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية
تنتشر رواية عن «رحلات سرية» لإخراج فلسطينيين من غزة إلى دول مختلفة، مقابل مبالغ مالية، ويُقدَّم الأمر أحياناً باعتباره بداية مشروع إسرائيلي لإفراغ القطاع من سكانه.
لكن من موقع مقاوم منحاز لفلسطين، لا أريد أن أكون طرفاً في تثبيت هذه الرواية عبر إعادة إنتاجها كما يريد الاحتلال. السؤال الأهم ليس: هل خرجت طائرة؟ بل:
«حتى لو صحّ الخبر بكل تفاصيله، هل يستطيع الاحتلال فعلاً تحويل هذه العمليات المحدودة إلى مشروع لتهجير أكثر من مليوني فلسطيني؟»
هنا تبدأ الأرقام بالكلام.
مئات أمام أكثر من مليوني إنسان
الرحلات التي كُشف عنها تتحدث عن أعداد محدودة. إحدى الرحلات إلى جنوب أفريقيا حملت 153 فلسطينياً، فيما تحدث تحقيق Associated Press عن رحلات أخرى بأعداد في حدود العشرات أو المئات، وعن دفع بعض المسافرين مبالغ وصلت إلى نحو 2,000 دولار للشخص، مع وجود صلات لجهة إسرائيلية تُدعى Ad Kan بتنظيم بعض الرحلات عبر Al-Majd. (“AP” (https://apnews.com/article/65c9acf46fb65483e866d75636f219a6?utm_source=chatgpt.com))
هذه وقائع يمكن بحثها والتحقق منها، لكن تحويلها إلى «مشروع تهجير غزة» يحتاج إلى قفزة منطقية هائلة.
عدد سكان القطاع يقارب 2.1 مليون نسمة.
لو افترضنا خروج 500 شخص، فهذا يعادل نحو 0.024% من سكان غزة.
أي أقل من شخص واحد من كل أربعة آلاف.
فكيف يصبح خروج مئات دليلاً على إمكانية إخراج الملايين؟
هنا تحديداً يجب أن نتوقف عن إعادة إنتاج الرواية ونبدأ بتفكيكها.
الطائرة ليست المشكلة… الدولة هي المشكلة
لنفرض جدلاً أن الاحتلال يستطيع إخراج آلاف الأشخاص بالطائرات.
إلى أين؟
لكي يتحول الخروج إلى تهجير دائم، يجب أن توجد دول تقبل هؤلاء الأشخاص، وتمنحهم وضعاً قانونياً يسمح لهم بالبقاء.
وهنا لا يكفي الحديث عن «استقبال».
هناك فرق بين:
الدخول → الإقامة → الإقامة الدائمة → الجنسية.
وهي أربع مراحل مختلفة تماماً.
ماليزيا، على سبيل المثال، لديها أكثر من 215 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجل لدى UNHCR، ومع ذلك كان عدد الفلسطينيين المسجلين لديها نحو 514 شخصاً فقط في شباط/فبراير 2026. (“UNHCR” (https://www.unhcr.org/my/what-we-do/figures-glance-malaysia?utm_source=chatgpt.com))
أما الجنسية الماليزية، فلا يحصل عليها الفلسطيني بمجرد وصوله؛ فالمسار القانوني يشترط الإقامة 10 سنوات من أصل 12 سنة، إلى جانب شروط أخرى. (“JPN Malaysia” (https://www.jpn.gov.my/en/services/citizenship/application-for-citizenship-status-under-article-19-of-the-federal-constitution-aged-21-years-or-above/?utm_source=chatgpt.com))
إذن لا توجد معادلة سحرية:
غزة → طائرة → ماليزيا → جواز سفر.
هذه ليست طريقة عمل الدول.
وماذا حدث في جنوب أفريقيا؟
هذه ربما أهم نقطة في تفكيك الرواية.
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وصلت طائرة إلى جوهانسبرغ وعلى متنها 153 فلسطينياً. الحكومة الجنوب أفريقية تعاملت مع المسألة رسمياً، ثم أعلنت لاحقاً أنها ألغت إعفاء الدخول لمدة 90 يوماً لحاملي جوازات السفر الفلسطينية.
وقالت وزارة الداخلية إن تحقيقاتها وجدت أن نظام الإعفاء استُغل من قبل جهات مرتبطة بما يسمى «الهجرة الطوعية» من غزة، وأشارت إلى أن معظم القادمين كانوا يحملون تذاكر ذهاب فقط، وبعضهم لم يكن لديه سكن أو ترتيبات واضحة عند الوصول. (“Government of South Africa” (https://www.gov.za/news/media-statements/home-affairs-withdraws-90-day-visa-exemption-following-abuse-palestinian?utm_source=chatgpt.com))
لاحظوا المفارقة:
لو كانت هناك دولة تستعد لاستقبال الفلسطينيين ضمن مشروع دولي واسع، لكان المتوقع أن تفتح الأبواب.
لكن جنوب أفريقيا فعلت العكس:
حققت في العملية ثم قيّدت الطريق الذي استُخدم فيها.
وهذا لا يثبت أن الاحتلال لا يحاول دفع الفلسطينيين إلى الخارج؛ بل يثبت أن تحويل هذه المحاولات إلى مشروع دولي واسع يواجه عقبات حقيقية.
أين هي الدول التي ستستوعب مليوني فلسطيني؟
هذه هي الحلقة المفقودة في الرواية.
إذا كان الحديث عن تهجير أكثر من مليوني فلسطيني، فنحن لا نتحدث عن بضع رحلات جوية.
نحن نتحدث عن:
- ملايين أماكن الإقامة.
- مدارس وجامعات.
- مستشفيات وخدمات صحية.
- فرص عمل.
- أنظمة إقامة.
- تمويل.
- بنية تحتية.
- وثائق قانونية.
- وربما مسارات للتجنيس.
وكل ذلك يحتاج إلى قرارات حكومية واتفاقات دولية معلنة أو قابلة للتوثيق.
أما أن تكون هناك رحلات تحمل عشرات أو مئات الأشخاص، فهذا لا يجيب عن السؤال الأساسي:
«من سيستقبل 2.1 مليون فلسطيني؟ وبأي صفة قانونية؟ ومن سيدفع؟ وإلى متى؟»
حتى الآن، لا تظهر في الوثائق المنشورة منظومة دولية من هذا النوع.
وهناك مشكلة أكبر: ماذا يعني «طوعياً»؟
يحاول الاحتلال تقديم خروج الفلسطينيين باعتباره «هجرة طوعية».
لكن كلمة «طوعية» لا تحسم المسألة.
فالفلسطيني الذي يعيش وسط الحرب والدمار وفقدان المسكن والخدمات، ثم يجد أمامه فرصة للخروج، قد يتخذ قراراً شخصياً بالمغادرة.
لكن السؤال السياسي والقانوني هو:
هل البيئة التي أنتجت هذا القرار طبيعية، أم أن الاحتلال والحرب والدمار هي التي صنعت الظروف التي جعلت الرحيل يبدو الخيار الوحيد؟
وهنا تكمن أهمية التمييز بين رغبة فرد في النجاة وبين تحويل ظروف الحرب إلى أداة لإفراغ الأرض من سكانها.
اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل القسري أو الترحيل من الأراضي المحتلة، وتضع ضوابط صارمة على الإجلاء المؤقت وحق العودة. (“ICRC” (https://ihl-databases.icrc.org/en/ihl-treaties/gciv-1949/article-49?utm_source=chatgpt.com))
لذلك، حتى لو كانت بعض عمليات الخروج فردية، فهذا لا يمنح الاحتلال تلقائياً شهادة براءة من مشروع دفع السكان إلى الرحيل.
لكن هنا يجب أن ننتبه إلى فخ آخر
من السهل أن نرى الرحلات فنقول:
«لقد بدأ التهجير».
وهذه أيضاً رواية قد تخدم الاحتلال من حيث لا نريد.
لأننا بذلك نمنحه شيئاً مهماً جداً:
إقناع الجمهور بأن مشروعه قابل للتنفيذ.
والواقع أن الأرقام تقول شيئاً مختلفاً.
نحن أمام محاولات محدودة، في مقابل شعب يتجاوز عدده مليوني إنسان.
نحن أمام أفراد يصلون إلى دول مختلفة، في مقابل غياب اتفاق دولي معلن لاستيعاب الملايين.
نحن أمام دخول مؤقت في بعض الحالات، في مقابل غياب مسار جماعي للجنسية.
ونحن أمام دول قد تستقبل أفراداً، لكنها ليست بالضرورة مستعدة لتحويل ذلك إلى إعادة توطين جماعي لشعب كامل.
هل يعني ذلك أن الاحتلال لا يريد التهجير؟
لا.
وهنا يجب أن نكون أكثر ذكاءً من الدعاية.
وجود فكرة «الهجرة الطوعية» في الخطاب السياسي الإسرائيلي موثق، وكذلك وجود محاولات لتسهيل خروج بعض الفلسطينيين.
لكن الرغبة شيء، والقدرة على التنفيذ شيء آخر.
قد يريد الاحتلال إفراغ غزة.
قد يحاول دفع الناس إلى الخروج.
قد يجد بعض الأشخاص المستعدين للمغادرة تحت وطأة الظروف.
لكن ذلك لا يعني أنه يمتلك القدرة على تحقيق النتيجة النهائية.
وهذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه دائماً:
«هل يستطيع الاحتلال تحويل المحاولة إلى واقع؟»
حتى الآن، الأرقام والوقائع المنشورة لا تقدم جواباً يثبت ذلك.
الخلاصة: لا ننكر الرحلة… بل ننكر أن تكون الرحلة «مشروعاً ناجحاً»
لنقلها ببساطة:
2.1 مليون فلسطيني لا يمكن اختزالهم في مئات المسافرين.
وصول شخص إلى دولة لا يعني حصوله على جنسيتها.
وجود طائرة لا يعني وجود دولة مستقبلة.
وجود وسيط لا يعني وجود اتفاق دولي.
وخروج فرد بحثاً عن الأمان لا يعني اقتلاع شعب.
لذلك، حتى لو افترضنا صحة الرواية المتعلقة بالرحلات، فإن النتيجة التي يريد الاحتلال أن يصل إليها لا تتبع من هذه الوقائع منطقياً.
بل يمكن قراءة المشهد بالعكس:
كلما احتاج الاحتلال إلى وسطاء، ورحلات، ومبالغ مالية، ومحاولات لإقناع دول باستقبال الخارجين، فهذا يكشف أن تحويل فكرة التهجير إلى واقع شامل ليس أمراً سهلاً.
«الاحتلال يستطيع أن يملك الطائرة، لكنه لا يملك الدولة التي ستستوعب شعباً كاملاً.
ويستطيع أن يدفع إنساناً إلى التفكير بالرحيل، لكنه لا يستطيع أن يحوّل ذلك إلى تنازل جماعي عن الوطن.
وقد يصنع مئات الرحلات، لكن الرحلات لا تصنع وطناً بديلاً.
ولهذا، فإن الرواية الأخطر ليست أن «بعض الفلسطينيين خرجوا»؛ فهذا أمر يمكن توثيقه. الرواية الأخطر هي أن يُقنعنا الاحتلال بأن خروج بعضهم يعني أن اقتلاع أكثر من مليوني فلسطيني أصبح أمراً واقعاً.
وهذا تحديداً ما لا تثبته الأرقام، ولا القوانين، ولا مواقف الدول.
حتى الآن، 1 + 1 = 2: هناك محاولات خروج، لكن لا توجد أمامنا منظومة قادرة على تحويلها إلى تهجير جماعي ناجح.»
