من قلب رماد المشرق المكلوم، وحيث تُحاك خيوط المؤامرة الكبرى على قلعة العروبة ودرة التاج “الشام”، تنهض الحقيقة سافرة ودامية بلا رتوش. لم تكن السنوات الحارقة التي عصفت بسوريا مجرد حراك شعبي عفوي، بل كانت “مهمة استعمارية كبرى” مُحكمة الصنع، وُكِلت عن جدارة واستحقاق لما سميت زوراً بـ”الثورة السورية”، لتكون رأس الحربة والأداة التنفيذية في تفتيت الدولة الشامية التاريخية، بعد أن تَعمدت هدم نسيجها الاجتماعي الفريد وتلويثه بأتون النعرات الطائفية والمجازر الممنهجة.
لقد أدت تلك الحالة أدوارها الوظيفية بامتياز في خدمة غرف عمليات الاستخبارات العالمية والإسرائيلية، واليوم، تتكشف الفصول الأخيرة من هذا المخطط التدميري عبر صفقات عارية تكشف ثمن البقاء على تراب الوطن وسيادته.
تمدد الأطماع: من “المنطقة الآمنة” إلى الهيمنة الشاملة
تؤكد الوثائق الخطيرة التي سرّبتها وسائل إعلام إسرائيلية مؤخراً، حول الاتفاق المبرم بين وزير الخارجية السوري ورئيس جهاز “الموساد”، أننا أمام تحول جذري في طبيعة السيطرة على الجنوب السوري. فالمطالب لم تعد تقف عند حدود “منطقة أمنية” ضيقة، بل قفز السقف الإسرائيلي ليفرض هيمنة مطلقة تمتد جغرافياً واستراتيجياً من القنيطرة غرباً، مروراً بدرعا، وصولاً إلى عمق السويداء شرعاً.
هذا التمكين الإسرائيلي يهدف إلى تحويل خاصرة سوريا الجنوبية إلى حديقة خلفية آمنة، خالية من أي نفس سيادي، ومحكومة بمنظومة ارتباطات أمنية تخدم الأمن القومي الصهيوني عبر هندسة فراغ سياسي تديره أدوات محلية مطواعة.
السويداء.. فخ الفيدرالية وتقطيع الأوصال
يبرز الشرط المتعلق بإنشاء منطقة حكم ذاتي اتحادية في السويداء كأخطر بنود هذا الاتفاق المشؤوم، إذ يتقاطع تماماً مع “حل وسط” مفخخ كشفت عنه تقارير عربية، يقوم على ركائز مدمرة:
فصل المعيشة عن السلاح: إحالة الملفات المعيشية والمعاملات اليومية إلى إشراف دمشق لامتصاص الغضب الشعبي
.تأجيل الملف العسكري: ترحيل البحث في الوضع العسكري للجنوب إلى وقت لاحق، مع التمهيد لإبقائه تحت سيطرة تشكيلات محلية كـ “الحرس الوطني”
.مأسسة التقسيم: هذه المخرجات ليست سوى تنفيذاً عملياً لما نصت عليه “خارطة الطريق الثلاثية” الموقعة في أيلول 2025 برعاية أمريكية بين سوريا والأردن وإسرائيل، لوضع اللبنات الأخيرة للتقسيم الناعم.
استراتيجية النجاة الفردية على حساب السيادة
إن ما يجري يمثل السقوط المدوي لمفهوم الدولة، حيث تعتمد السلطة في دمشق مسار “النجاة بأي ثمن”. التنازل السافر عن السيادة الوطنية والقبول بالوصاية الإسرائيلية المباشرة مقابل ضمانات وهمية لإبقاء رموز معينة في السلطة، يعري تماماً كل الشعارات القومية والممانعة التي تهاوت على أول محك حقيقي للوطنية. فبدلاً من مواجهة مشروع التفكك، تندفع المنظومة الحاكمة نحو ترسيخ فيدرالية الأمر الواقع، مشاركةً بذلك في جريمة تشظي الدولة السورية إلى كانتونات طائفية وعرقية تدار بالريموت كنترول من تل أبيب وواشنطن.
نحو صحوة نهضوية كبرى
إن نهضة الشام وبعثها من جديد لن تقم على أنقاض كانتونات الطوائف، ولن تُبنى بصفقات الذل المبرمة مع دوائر الإجرام الصهيوني.
إن سقوط الأقنعة اليوم -سواء عن أدوات التدمير التي أدت دورها في تفتيت النسيج الاجتماعي تحت غطاء “الثورة”، أو عن سلطة أدمنت التفريط بالتراب الوطني للبقاء على الكراسي- يفرض على الضمير الوطني الحي التوحد حول مشروع نهضوي مقاوم، يعيد بناء الدولة الشامية الموحدة، وينظف ترابها الطهور من دنس التآمر الداخلي والخارجي.
فإما وحدة تاريخية تصون الكرامة والوجود، أو فناء محتوم تحت أحذية الاحتلال ومشاريع التقسيم!
د. نبيلة عفيف غصن
